فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 711

تنتزع الاعترافات بشتى طرق الإكراه، وربما لفق ضباط المخابرات التهم كما يشاءون، ودوّنوا المحضر النهائي للتحقيق كما يريدون، وعلى المتهم التوقيع على ذلك المحضر دون أن يعرف محتواه، وبه كانت العصابة هي السلطة القضائية المهيمنة على كل أقدار السجناء، ولعل بعض الدول تمر بظروف استثنائية تدعوها لتطبيق الأحكام العرفية، أو حالة الطوارئ، لكن القضاء يبقى محافظًا على هيبته ونزاهته. لأنه رمز العدالة (33) بل هو جهاز العدالة الوحيد في البلاد.

وتقع التجاوزات من السلطة التنفيذية، وخصوصًا أجهزة الأمن التي تعتقل وتعذب بصورة تعسفية، أما القضاء فإنه يحق الحق وينصف الناس، ويحترم القانون، أما في دولة القرامطة الجدد، فالأحكام العرفية مطبقة على البلاد منذ عام 1963 وزادت الحالة سوءًا في عام 1980 عندما ارتكبت الكثير من التجاوزات التي جعلت بعض رموز السلطة يراجعون أنفسهم كرجال دولة (34) ، لأن الدولة تحمل معنى حضاريًا لا تليق به تلك الأساليب الوحشية، والتي تشابه إلى حد بعيد سلوك عصابات الإجرام الخارجة عن كل القوانين والأعراف والقيم.

كيفية المحاكمة: مع مطلع شهر أيلول من عام 1980 جاء الجلادون إلينا بقائمة أسماء، ليقولوا لهم: جهزوا أنفسكم، غدًا عندكم محكمة. هناك اختلطت المشاعر والأفكار بين التشاؤم والتفاؤل، فقد كنا نسعى لتفسير كل شيء لصالحنا لكوننا محاطين بالمجهول من كل جانب، لا ندري ماذا يدور حولنا، بالإضافة للظروف التي كنا نعيشها، والتي تفرض علينا الشعور بالمرارة والإحباط، ورغم ذلك، كنا متفائلين، نفسر كل شيء بصورة إيجابية، بسبب إفراط بعضنا في الخيال والخرافة، ولأننا اعتقلنا في فترة مبكرة من عام 1980، ولم نسمع بمجزرة سجن تدمر، ولا بالقانون 49، لذلك لم نكن نعرف ماذا تعني المحكمة؟ وإلى ماذا تشير؟

قلنا: لعل هذه بداية الفرج، فعسى أن تنهي المحكمة الوضع المأساوي الذي نحن فيه، فننقل إلى سجن آخر نعامل فيه كجميع السجناء في كل بلاد العالم، أو يخلى سبيلنا فنعود لبيوتنا، ولكن هيهات هيهات!!

رحنا نسأل بعض إخوتنا ممن سجنوا في فترات سابقة، والتقوا بإخوة ذهبوا للمحاكمة، عن إجراءاتها، فكان ما نسمعه يطمئننا بعض الشيء ولكن، سرعان ما اصطدمنا بالواقع، فتبخرت جميع الآمال وأصبنا بالإحباط.

نمنا تلك الليلة، ولكن عند منتصف الليل جاء السجانون وفتحوا باب الزنزانة، وتلوا الأسماء ثانية، طالبين أن يحضر كل سجين قميصه الداخلي، لاستعماله كغمامة لعصب العينين، وعند خروج إخوتنا من الزنزانة، عصبت أعينهم، وأوثقت أيديهم بالحبال، وسيقوا لساحة القلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت