فهرس الكتاب

الصفحة 535 من 711

وحدد القانون المذكور فترة شهر لمن يريد الانسحاب من التنظيم (راجع نص القانون) وبناء عليه، فقد شكلت المحاكم الميدانية لمحاكمة المعتقلين بتهمة الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين ولم تكن لتلك المحاكم صفة قضائية، إنما ضمت مجموعة من ضباط المخابرات والجيش الحاقدين والعملاء لإنجاز رغبة الطاغية.

باشرت تلك المحاكم أعمالها في شهر تموز من نفس العام، وكانت تنتقل بين فروع المخابرات والسجون في طول البلاد وعرضها، لتحاكم السجناء الذين تم التحقيق معهم. فمثلًا حاكمت بعض المعتقلين في سجن المزة بدمشق، وكذلك في فرع كفر سوسة، وحاكمت آخرين في فرع المخابرات العسكرية في حمص واللاذقية. وبعد ذلك شُكلت لجنتان ميدانيتان، تختص الأولى بمحاكمة معتقلي سجن تدمر ومقرها فرع المخابرات العسكرية في حمص، والمجرم غازي كنعان أحد أعضائها. أما المحكمة الثانية فتختص بمحاكمة معتقلي سجن المزّة (الإسلاميين فقط) وكانت برئاسة العقيد حسن قعقع (من اللاذقية ولم يكن سوى دمية) باشرت المحكمتان أعمالهما بصورة مستقلة، إذ يتم نقل المعتقلين من تدمر إلى حمص وحوكمتُ بهذه الطريقة. وفيما بعد نقلت المحكمة إلى سجن تدمر فكانت اللجنة تذهب إلى هناك مرة أو مرتين أسبوعيًا من أجل المحاكمة وتنفيذ أحكام الإعدام.

والمحكمة الثانية كانت تحاكم معتقلي سجن المزة، والذين يحكم عليهم بالإعدام ينفذ فيهم هناك، أما الذين يحكمون بالسجن مددًا مختلفة، فينقلون لتدمر، وأما المبرؤون فيمكثون في سجن المزة حتى يمن عليهم الطاغية بالإفراج!!

مأساة المحاكمات الميدانية: وهي أكثر الفصول إثارة للسخرية المبكية وأشدها ظلمًا. إن أكثر دول العالم اليوم تحكمها أنظمة مستبدة، ومع ذلك يستطيع المرء أن يلاحظ تمايز المؤسسات والسلطات، فالوزير مسؤول ضمن حدود وزارته، وقائد الجيش مسؤول ضمن مؤسسته، والسلطة القضائية كذلك. وهكذا .. أما في دولة القرامطة الجدد، فلا وجود لذلك، فالسلطة عبارة عن عصابة يتزعمها الصنم الأكبر، فهم يملكون ويقررون وينفذون كل شيء وما عداهم من رموز ومناصب فهم دمى لا يملكون من أمرهم شيئًا، وما عليهم إلا أن ينفذوا ما يؤمرون به بكل دقة وخنوع.

فالعصابة هي التي تأمر بالاعتقال، فهي النيابة العامة، وتعتقل، فهي جهاز الأمن، وتحقق وتحاكم وتنفذ الأحكام، فهي السلطة القضائية. لذلك نستطيع القول: إن تلك المحاكم ليست إلا محاكم صورية، لا تملك أية صفة من صفات المحاكم. فالقائمون عليها ليسوا قضاة، ولا يفقهون شيئًا من أمور القضاء. المتهم لا يحق له الدفاع عن نفسه، ولا أن يوكل من يدافع عنه، لا وجود للشهود، ولا حاجة لأية أدلة (32) فالدليل الأول والأخير هو محضر التحقيق الذي وضعته المخابرات التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت