فهرس الكتاب

الصفحة 621 من 711

(يتبول) فلا يستطيع، نظرنا إليه متورمًا، وهو يحاول جاهدًا أن يفعلها، ماذا جرى؟ فنظر إلينا، وهز رأسه قائلًا: ما جرى لي لم يجر لإنسان على وجه البسيطة، لقد ضربوني عليه بالكابلات والعصي بدلًا من قدمي، ولهذا السبب لا أستطيع. وكان إلى جوارنا سجين طاعن في السن، نظرت إليه والدموع تسيل على خديه، قال له: يا بني اقرأ سورة الفلق، وإن شاء الله تفرج عليك. ضحك السجين المريض ضحكًا من القلب، وقال له: ماذا تقول يا رجل، كل الذي أنا فيه من فعل"الفلق"؟! قالها عن طيب نية طبعًا، ولم يقصد الإساءة، ضحكنا جميعًا رغم الجراح وسوء الحال.

صمتنا .. وأثناء صمتنا سمعنا سجينًا أخر يئن ويزحر ويتأفف من داخل المرحاض يحاول أن يتغوط ولا يستطع، خرج منهكًا متعبًا متعجبًا لأمره، قال: هل يعقل يا رجل؟ دمدم بعض الشيء .. هل يعقل أن الإنسان دون فتحة شرج؟ تبين أنه أيضًا تعرض للضرب المبرح على مؤخرته، وعندما ضربوه كان عاريًا تمامًا، ولا شي يستر له عورته سوى الكابلات الفولاذية والعصي، إنه تعرض للخوزقة دون أن يعلم ذلك، وبقي نحو ثلاثة أيام لا يستطيع التغوط. وكثير هم على هذه الحال، وغيرهم من امتنعوا عن تناول الطعام؛ لأنهم لا يستطيعون الخروج إلى دورات المياه، الجميع تعطلت حركاتهم الجسدية، منا من يبكي على نفسه ومنا من يبكي على رفيقه، وما زال الطريق في أوله، والأعظم على الأبواب، الويل .. الويل فلقد ساءت الحال،"هل سقط العالم إلى مثل هذه الدركة قبل اليوم"؟ قالها أحد السجناء وهو يتكئ على ركبتيه.

وعند الظهيرة، تكرر السيناريو نفسه معنا عند إدخال طعام الغداء والعشاء. وفي العشاء الليل مظلم، والبطون خاوية، والجسد منهك، والعقل سيطر عليه الأخذ والعطاء .. بالأمس القريب كنا هناك، واليوم بين أرباب الهلاك، الجسد قطع رجاءه من (الروح) وذهب يلتمسها من وراء الحواجز القائمة على مسافات بعيدة. والقمر أطل في مدينتنا ليلة أمس؛ خُيّل إليّ أنه أنثى أثقلها الحمل، وكوكب النهار أحب الحياة .. لقد جلست وروحي الجائعة أعياها الجفاء وبكاء كبكاء النساء، لقد أتعبني هذا المكان.

في المساء، خرجنا عراة حفاة وجموعنا في دورات المياه بعضنا فوق بعض، وحرارة أجسادنا العارية المتلاصقة ورائحتها التي لم يمسسها الماء الساخن منذ شهور. هنالك فتحة في الأعلى قطرها 1.5 متر، تجمع حولها عناصر الدورية، وبدأت حفلة التعذيب بصب الماء البارد، وأمرونا بضرب البعض بخرطوم المياه والشحاطات البلاستكية، وكل من لا ينفذ ذلك مصيره الموت المؤكد في الصباح عند الخروج الى الباحة. وهذا هو حالنا من المساء حتى أشرقت شمس الصباح دون أن تعرف أعيننا النوم، لقد سطا الهرم على قلوبنا الفتية التي تسلط عليها النعاس تنشد نفسها صامتة لا تزقزق .. لا تنسوا هذه الليلة وهذا العيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت