فهرس الكتاب
في صبيحة اليوم التالي أخرجونا إلى الباحة الساعة الحادية عشر صباحًا ونحن عاجزين عن المسير أو حتى الجلوس، خرجنا مغمضي الأعين مطأطئي الرؤوس ندور حول الباحة بنسق خماسي، وعند الانتهاء من عدة دورات أُمرنا بالجلوس أرضًا ووجوهنا باتجاه الجدار المقابل.
قال لنا أحد العناصر هذا هو التنفس ومدته ساعة لشم الهواء النقي، وهو يسير خلفنا نسمع خطاه دون أن نراه ذاهبًا وآيبًا وهو يرفسنا بالبوط العسكري من الخلف على الظهر والرأس، مخلفًا وراءه ألمًا لا يحتمل. وبعد لحظات أمرنا بالوقوف، ثم اختار أحدنا وأخرجه من الصف، ليكون هو من أهداه القدر لهم، هم الذين غادروا الزمان واحتفظوا بالمكان، وجعلوا من لغة التعذيب أداة تواصل وتفاهم؛ غادري يا صرخات المكان واجعلي تراب الأرض نديًا ليطهر وجعه ووجعنا، أبكي على تراث نمجده حين نعجز عن تجاوزه.
أبو محمود مولود في عمره الجديد يناشد صباه يتوسل من الألم والعذاب مخاطبًا الزمان وفي صراخه كل التراتيل التي تمجد الأنبياء، قفي يا سطوة الجلاد فجسدي أتعبته السنون وحفيدي الصغير الذي ينتظرني في طرف الحي يعشق فوضى المكان، سلامي إلى كل الأنبياء والرسل عساهم أن يخففوا عني مسيرة الذلّ؛ قالها وفي نفسه أمنية لرؤية من هم أعزاء على قلبه، هذا الشيخ المسنْ ذو الجسد الصغير أبى على نفسه أن يسقط ذليلًا إلى أن ساقته قدماه لنلتقي في"باستيل"سورية.
نظراتنا حزينة، وأصابع الريح التي تغازل"الشيح"و"العوسج"حزينةٌ هي علينا، ابكي أيتها الجدران إن كنت قادرة على التحدي، واقتلعي من بقايانا الشظايا، فالضحايا من قبلنا هم زوار هذا المكان صورهم معلقة على الجدران، أسماؤهم مكتوبة بدمائهم، طائر جراحه أثقلت جناحاه.
وأمه الحزينة تذرف الدموع بانتظار المولود الجديد وريثًا لاسم جده أبي محمود. غاب الزمان تمامًا، وبقي المكان تمامًا جاثمًا ثقيلًا مثقّلًا بالسياط، وجلسنا نتأمل القادم إلينا من خارج الأسوار، قد يحمل أقبح الصور وأسوأ الأخبار التي لم يعد يسمعها البعض منا؛ لأنَ الكثيرين منا قد فقدوا السمع نتيجة الصفع على الآذان.
وعند الظهيرة أدخلنا طعام الغداء (حساء الجزر) الممزوج بدمائنا، وبرغلٌ مطبوخ بالرمل والحصى، وخبز (صمون) مطلي بمادة المازوت، كانت بالنسبة لنا وجبة جيدة. بدأنا نفكر بكيفية التأقلم مع المكان، حيث باشرنا بتوزيع الطعام على أكياس من النايلون محاصصةً بين الجميع، وطلبنا منهم منظفات وصابون فلم يوافقوا إلا على مادة الصابون، ولكل سجين قطعة من الصابون العسكري الحجم الصغير (التي توزع مجانًا) دفعنا ثمنها غاليًا من دمنا، فرحنا كثيرًا بمجيء الصابون، وباشرنا بتناول الطعام، حيث كنا مجموعات، نظرت إلى المجموعة التي بجوارنا، رأيت أبا محمود يلتهم الطعام