فهرس الكتاب
بطريقة عجيبة، بحيث أنني كنت أسمع تحت أسنانه صوت كصوت الرحى يطحن الحصى، فهز رأسه نحوي وضحك وقال: لوز وصنوبر، يرحم أيامك يا أم محمود.
وعند الانتهاء من تناول الطعام وقف أحد السجناء قائلًا: تدمر هذا هو حالها، ولن تتغير، وأنا لي تجربة سابقة فيها، لذا على كل سجين أن يتعامل معها، والمهم والاهم أن نعتني بنظافة المكان. وخيم الصمت على الجميع، في أعينهم حزن شديد وألم، وفي دواخل نفوسهم أسئلة كثيرة هل يبقى حالنا هكذا: جوع، وخوف، ومرض، وقمل، وجرب، وتعذيب ..
صمتنا أعطى المكان هدوءًا، بحيث استطعنا أن نسمع جوقة من الأصوات البعيدة جوقة تلاميذ المدرسة التي لا نعلم أين موقعها بالنسبة لموقع السجن، والأهم أننا نسمع ذاك الصوت البعيد، صوت الأبرياء القادم إلينا من خارج الأسوار ليبعث فينا أمل الحياة من جديد.
أصوات فرحة تغرد في مسامعنا لحن الحرية، ليضفي على صمتنا لحظة تأمل وتذكرْ، نظرت من حولي فإذ دموعٌ تذرفَ كأنها أنهار وسيول عبرت الحدود، وصدور مليئة بالشوق على أطفال تُركوا هناك لا يعلم أحدٌ عن أحوالهم شيئًا، تلاشى الصوت، وتبددت معه الأحلام الجميلة حتى العصافير التي كانت تدنوا من الشبابيك الصغيرة غادرت المكان وتركت أعشاشها مهاجرة، كل شيء غادر إلا الصوت القادم إلينا من داخل السجن، يحمل الصراخ والألم وأصوات الأقفال والمصاريع تفتح وتغلق تقترب منا، شيئًا فشيئا دب الرعب والخوف في قلوبنا، وجوهٌ أصفرت وأطراف ترتعش والقلوب تكاد أن تخرج من بين الأضلاع، أحسست إن رأسي يتمدد تحت ضغط داخلي وأن طبولًا تقرع وشياطين ترقص وتسخر منا. قرر أحد السجناء أن يخرج إلى الباحة إذا طلب منه ذلك، كان قرارًا صائبًا للشد من عزائم السجناء والخوف من الانهيار الذي إذا حصل يسبب لنا كارثة، جاءنا الصوت مناديًا"مهجع".."يا عرصات منبطحًا جميعًا"، وبعد لحظات وصلت الدورية وفتح الباب، وطلب منا الخروج إلى الباحة مغمضي الأعين، وأفهمنا رئيس الدورية إخراج جميع محتويات المهجع إلى الباحة من أجل تفتيش المكان. خرجنا ودخلوا، وبقي البعض منهم في الباحة، سرقت النظر فإذا بهم يحملون قضبان معدنية كبيرة وفي مؤخرتها قرص معدني مثبت بشكل دائري، وبدأوا الدق في أرض المهجع خوفًا أن نكون فكرنا أن نحفر أنفاقًا للهروب. وبعد الانتهاء من التفتيش، خرجوا إلينا جميعًا إلى الباحة وأمرونا بالانبطاح أرضًا، وبدأوا بالدق على ظهورنا بالقضبان المعدنية والصعود عليها والدعس عليها بالأبواط والعصي، ونادى أحدهم رئيس المهجع وطلب منه إخراج"ختيار الزفت أبو محمود والحرس الليلي"، ودخل البقية إلى المهجع، وبدأوا بضرب أبا محمود وبقية السجناء الذين كانوا في حراسة المهجع ليلًا، واتهموهم بأنهم كانوا يمارسون اللواط، وصرخاتهم التي كانت تنشد نشيد الأطفال في عرس الحي ..