فهرس الكتاب
قد توقفت تمامًا، ولم نعد نسمع شيئًا، وطلبوا منا ثمانية للخروج إلى الباحة، أدخلناهم والدماء تنزف وأجسادهم لا تتحرك، تجمعنا حولهم نضمّد لهم جراحهم، منا من خلع ثيابه الداخلية، والآخرون جاؤوا بقطع قماش وربطناها على الجروح النازفة لوقف النزيف الحاد، حزنا كثيرًا على هؤلاء العزل الذين خرجوا من الباب ودخلوا من الباب، وما خلفه جنة القلب أشياؤنا باب الحكاية باب النهاية. السلام للذين على حائط الصوت والموت أسماؤهم، ندخل ونخرج كأهل الكهوف في عالم النسيان، وآذار يخرج مودعًا ليأتي شهر نيسان ..
حمامات الدم الساخن
خرج شهر نيسان كل شيء فينا يعاني، الجرب أكل من أجسادنا وأصبحت كخلية نحل. سنابل القمح الخضراء يقترب موعد حملها ورائحة التراب تبشر بمواسم العطاء، والحرمل البري تهز أغصانه نسمات نيسان المودّعة، وصوت الخراف القادم ألينا يصحبه مزمار الراعي ينشد أغاني الحزن والفراق، وطفلًا حافي القدمين يركض وراء فراشات يحمل بيده منديلًا أبيض، وحمار ينهق يحمل على ظهره قربة ماء وكيس خبز وعباءة صفراء، والكلب باسط ذراعية يسعى للنوم بعد سهر ليل طويل ونباح أتعب صوته، وشجرة الكينا البعيدة القريبة التي تهز الرياح قمتها تترنح ذات اليمين وذات الشمال يحوم حولها الغراب الأسود ( .. ) . وبعد لحظات انتابني ألم شديد لا يطاق يصحبه شعور بالبرد والعرق الشديدين، هذا السجن المرض والقمل والجرب والتعذيب، هل يعقل أن نقضي حياتنا هكذا إذا كتبت لنا الحياة؟! نظرت من حولي، هناك من يغسل رسغه بالبول لكي يخفف عنه الألم، وهناك من يضع قطعة قماش على أذنيه التي أصبحت كالعنقود المتدلي، وهناك من تسيل من فروة شعر رأسه القصير ماء صفراء اللون تحمل معها بيض القمل، أخرجونا إلى الباحة لتفقدنا كما هو المعتاد، فإذا بأحد السجناء يطلب الإذن من حضرة الرقيب أن يتكلم، فلم يسمح له بذالك إلا أن السجين أصر على ذلك:
فقال له: إننا جميعًا مصابون بالجرب والقمل وأمراض جلدية متعددة ونحتاج إلى علاج وحمامات بالماء الساخن. فرد عليه حضرة الرقيب: حاضر، وماذا بعد؟ هل هذا كل ما عندكم؟ فأدخلونا إلى داخل المهجع دون أن يلمسوا أحدًا منا أو يضربوه، وبعد نصف ساعة تقريبًا فتح علينا باب المهجع دون أن نشعر أو نحس بقدومهم إلينا، وطلبوا أن نخرج جميعًا إلى الباحة عراة حفاة. خرجنا وساد الباحة هدوء تام، لم نسمع سوى وقع الخطوات المنتظمة ورائحة التبغ الفاخر، نادى بصوت عالي: المسؤول الصحي إلي ..
-حاضر سيدي.