فهرس الكتاب
وغدًا يوم آخر ..
محاكم استثنائية
ليس إحساسي كمن يذوب في ثلج، إنما جمر النار يحرقني شوقا إلى الحرية، كل الأيام في تدمر ظلم وظلام، الليل والنهار متساويان، الساعات والثواني، بينك وبين الموت شعرة تبحث بين ثنايا جسدك عن لحظة أمان كي تستطيع أن تحلم بماض كنت فيه، حتى العصافير التي كنت تراها بالأمس تطير وتحط، هربت من هذا المكان لكثرة الصراخ وأصوات الجلادين المرعبة كرائحةِ الدم، فكل شيء في عقيدة الجلاد مباح ..
في عام 1989 شهد سجن تدمر عملية تسريع المحاكمات وإعادة محاكمة من حوكموا قبل سنوات، ترافقت تلك المحاكمات أيضا بالإسراع في عميلة تنفيذ الأحكام القاسية كالإعدام ومضاعفة بعض الأحكام الأخرى ورفع سوية التعذيب إلى درجة لا يمكن ان يتصورها عقل انسان.
في العاشر من حزيران عام 1989 كنا نستعد لسخرة الطعام عددنا ثمانية مهمتنا إدخاله مخاطرين بحياتنا، كنت استرق النظر في الجزء المهترئ من الباب المعدني الذي تلفة قضبان معدنية قطر كل واحدة منهما 20 ملم متقاطعة بشكل عشوائي، لأحصي عدد الأواني البلاستكية التي سنضع فيها الأطعمة من (البلاو العسكري) والتي غالبًا ما تكون ممزوجة بمادة المازوت والذباب والفئران الميتة، إناءان فيهما مادة"الشاي"وآخر شبه فارغ وآخر فيه"حلاوة"تلك المادة التي ان وجدت من بين مخصصات الطعام يصاب السجناء بحالة من التشاؤم، فهي بالنسبة لهم طعام النقمة وليس النعمة، حيث دفع الكثير منا فاتورة باهضة الثمن لملعقة حلاوة صغيرة، فقد تعرض جسد أكثر من سجين للعطب.
ما زال"البلدية"يجلب بقية الطعام ويضعه في الباحة، انحرف ناظري قليلًا رغم صعوبة التحرك في المكان للنظر في الاتجاه الآخر شاهدت احد عناصر البلدية يرتدي بنطالًا عسكريًا مموهًا حليق الرأس وهو يحاول فك رباط بنطاله المتسخ وأخرج"قضيبه"وتقدم إلى إناء الشاي وتبول فيه ومن ثم إلى الأواني الأخرى باستثاء الإناء شبه الفارغ، وكان الشرطي المكلف بحراسة الباحة يبادله الحديث والضحك، لم أفاجأ بما شاهدت من ذلك العمل، وكنت حريصًا على أن لا أخبر أحدا من داخل المهجع لتخوفي من أن البعض قد يمتنع عن تناول الطعام الذي نحن بأمسّ الحاجة إليه، ذهب وهو يسبنا ويشتم بأعلى صوته.
حلاوة .. يا أولاد الشرموطة .. حلاوة .. وخياله يرتسم على جدران المهجع ذهابًا وإيابًا، وعاد بعد قليل يحمل على كتفه بطانية عسكرية يوجد فيها خبز عسكري (صمون) ونثره في الباحة حيث