فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 711

لخالد. ولم يكن على أبي الفضل إلا الإنصياع بالطبع. ووجدنا أبا عوض يتبدل بين ليلة وضحاها. وبدأت شخصيته المتنفذة تطفو على السطح الآن .. وتتبدى عنجهيته بسبب ومن غير سبب.

وصار لأبي عوض - وهو الذي طالما ضاعف الشرطة عليه القتل والتعذيب أثناء الحلاقة والتنفسات بسبب ومن غير سبب - استثناء خاص من الحلاقة .. فطال شعره من دون كل الألوف من هؤلاء السجناء جميعًا، وأرخى شاربيه فكأنه واحد من الشرطة لا فرق! ولم تلبث الأسرار أن تسربت من المقربين إلى أبي عوض إلينا، فحدثهم كيف أنه كان سجينًا ذات يوم في سجن تدمر هذا أيام خدمته الإلزامية جزاء على مخالفة عسكرية فعلها. وكان محمد الخازم رقيبًا في نفس السجن وقتها .. فقامت بينهما علاقة ومعرفة. واتفقا على أن ينشئا تجارة لصالحهما بين السجناء، يقوم محمد الخازم بتأمين مادتها، ويتولى خالد ترويجها بين زملائه في المهاجع بأسعار مضاعفة مستغلًا حاجتهم لمثل تلك المواد. فلما شاهد الخازم أبا عوض الآن وجده الرجل الأمثل ليحقق به مطالب السيد الكبير مدير السجن الذي أوعز إليه كما تبدى ترويج نفس التجارة بين السجناء البؤساء في تدمر.

ورغم أن ذكرى أخيه لم تكن قد خفتت بعد .. وعلى الرغم من الإهتمام البالغ الذي أولاه الإخوة بخالد نفسه في أشد أيام المحنة مراعاة لوضعه وترقيقًا لقلبه، حتى أنهم كانوا يؤثرونه بطعامهم لضخامة جسمه ويوفرون له من فتات الطعام الذي يصلهم حصة مضاعفة له وحده. ويتقدمونه في التنفس والحلاقة معرضين أنفسهم لسياط الزبانية وعصيهم حماية له وإخفاء من الشرطة الذين علّموه وقتها بجسمه الضخم فأدمنوا مضاعفة العذاب عليه. برغم ذلك كله فإن أبا عوض لم يحفظ للإخوة ذاك. فها هو ذا يريد أن يتسلط عليهم ويتحكم فيهم وكأنه لم يعد سجينًا وبات هو السجان! وجعل في سبيل تحقيق غايته يؤلب الناس على بعضهم ويوظف بيننا من ضعاف النفوس جواسيس ينقلون إليه ما الذي يدور بين الحلقات وبماذا يتحدث المساجين عنه. وكان يريد أن يعرف كل صغيرة وكبيرة لينقلها إلى شريكه وسيده الجديد. وصار يسطو على طعام الآخرين ويأخذ ما شاء من الوجبات نوعًا وكمًا .. ولم يتورع حتى عن استخدام يديه مع بعض الإخوة والإعتداء عليهم بالضرب تمامًا كما يفعل بقية السجانين! ولا أزال أذكر أن أحد ضحاياه كان الأخ محمد صنوبر حافظ كتاب الله الذي نال منه قتلة ذات مرة لم تقل عن أي من تلك التي يذيقنا إياها جلادونا قساة القلوب ذاتهم!

مهجع المدعومين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت