فهرس الكتاب
كانت البدايات حينما أخذ يتناهى إلى أسماعنا أن مدير السجن العقيد فيصل الغانم يقوم بزيارات تفقدية للمهاجع يزجر فيها السجناء ويهددهم مرة .. ويستفسر منهم عن احتياجاتهم ويسألهم عن أحوالهم مرة أخرى ويعدهم خيرًا. وبلغنا ضمن هذا السياق أن أحد الإخوة تجرأ ذات مرة وسأله عن سبب منع المعتقلين من الصلاة، فأجابه الغانم بكل تبجح أن إدارة السجن ليست ضد الصلاة ولا ضد التدين، ولكن الأرض في المهاجع نجسة ولا تصح عليها الصلاة! وزاد الراوي أن الشرطة عادوا بعد زيارة الغانم تلك فأوسعوا السائل ضربًا جعله يحرم وكل من بلغه الخبر السؤال والأخذ والرد مع هؤلاء إلى آخر العمر!
وتسارعت الأمور .. وبدأت المستجدات الغريبة تفاجؤنا مرحلة بعد مرحلة .. فلا نكاد نستوعب للأولى سببًا حتى يَجِدَّ على الساحة جديد. ونحن في ذلك كله لا نبصر إلا عشر معشار ما يدور، ولا ندرك إلا الجزء الضئيل مما يدور أمام أعيننا.
وكانت البداية الظاهرة لنا حينما خرجنا ذات يوم من أيام سنة 1983 إلى التنفس كالعادة وجعلنا نسير في خطنا كالمعتاد، فوجدنا الشرطة يستدعون واحدًا من سجناء مهجعنا اسمه خالد عوض السالم، واقتادوه مغمض العينين إلى مساعد السجن الجديد محمد الخازم الذي خلف فيصل كحيلة وقتها فكان شر خلف لشر سلف! ومن غير أن يفتح خالد هذا عينيه سمع المساعد يأمره أن يرفع رأسه ففعل. فسأله عن اسمه فأجاب. فاكتفى بأن صفعه على وجهه وأمره بالعودة. وعندما بلغنا ما حدث وجدناه تصرفًا طبيعيًا طالما تكرر ما هو أسوأ منه بلا أي مبرر. لكن الرقيب جهاد ما لبث وأن عاد إلى المهجع مع عدد من أعوانه وطلبوا أبا عوض معهم. وعندما عاد بعد ساعة من زمن وجدناه غير الشخص الذي عرفنا.
أبو عوض!
كان خالد عوض السالم سجينًا من صوران مات شقيقه - كما ذكرت - على صدره بسبب السل قبل أقل من عام ولفظ أنفاسه بيننا وهو يذكر الله ويشهد له بالوحدانية. ورغم أن الأخوين اعتقلا بتهمة تجارة السلاح إلا أن الفارق بينهما كان كالفارق بين السماء والأرض. فخالد هذا كان معروفًا حتى من قبل اعتقاله بسوء الخلق وفساد الذمة. ولأنه كان فوق ذلك صاحب جسم ضخم وعضلات مفتولة فقد جعلوا خدمته الإلزامية قبل سنوات خلت في الوحدات الخاصة أو الشرطة العسكرية.
كانت أول مفاجأة في عودة أبي عوض أنه ذهب سجينًا وعاد بقدرة قادر رئيسًا للمهجع! وأمر الشرطة أبا الفضل الذي حافظ على مسؤوليته طوال هذه المدة أن يتنحى ويسلم رئاسة المهجع