ومن تدبر القرآن الكريم وجد هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولاترى نظمًا أحسن تأليفًا وأشد تلاؤمًا من نظمه.
وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها والترقي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.
صار القرآن معجزًا لأنه جاء بأفصح الألفاظ وفي أحسن نُظُم التأليف متضمنًا أصح المعاني، من توحيد لله عز وجل ودعاء إلى طاعته وبيان منهج عبادته من تحليل وتحريم ووعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهى عن منكر، وإرشاد إلى مكارم الأخلاق وزجر عن مساوئها، واضعًا كل شيء منها في موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه.
لم يخرج القرآن في لغته عن سنن العرب في كلامهم إفرادًا وتركيبًا، وكان بذلك أدخل في الإعجاز وأوضح في قطع الأعذار قال تعالى: (( الر تلك آيات الكتاب المبين(1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون )) [يوسف:1-2] .
وقال تعالى: (( حم ، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) ) [غافر:1-2] ، وقال تعالى: (( ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ) ) [فصلت:44] .
ولكنه تميز في أسلوبه عن أساليب العرب في كلامهم، فلا يدخل على طريقتهم في نظمهم للشعر، ولا مثل أساليبهم في النثر والخطابة، بل هو لون آخر متميز مستقل تمامًا.
وقد ذكرنا في موضع آخر من أدلة تحديه للعرب على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله، أو بسورة فعجزوا، وذكرنا من الأدلة على تأثيره في قلوب سامعيه ما يغني عن إعادة ذكره في هذا الموضع.