الصفحة 95 من 101

والأدلة على تنسيق العبارات والقصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى تشمل القرآن كله من أوله إلى آخره، طوال السور وقصارها، وإنما نقتصر على ذكر بعض الأمثلة:

فقد قال الأصمعي سمعت جارية أعرابية تنشد:

أستغفر الله لذنبي كله

قبلت إنسانًا بغير حله

مثل الغزال ناعمًا في دّله

وانتصف الليل ولم أصله

فقلت: قاتلك الله ما أفصحك؟ فقالت: ويحك أويعدّ هذا فصاحة مع قول الله عز وجل (( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) ) [القصص:7] .

فقد جمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.

وقال ابن القيم في بيان أسباب الانتفاع بالقرآن:

إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله قال تعالى: (( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) ) [ق:37]

وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفًا على مؤثر مقتض ومحل قابل، وشرط لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد.

وتدبر قوله تعالى: (( فأوجس في نفسه خيفة موسى ، قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى ) ) [طه:67-68] .

ففي هذه الثلاث الكلمات - إنك أنت الأعلى - ست فوائد:

الأولى:"إن"المشددة التي من شأنها التأكيد لما يأتي بعدها.

الثانية: تكرير الضمير في قوله تعالى:"إنك أنت"لتقرير الغلبة واثبات القهر.

الثالثة: لام التعريف في قوله"الأعلى"للتخصيص أي أنت الأعلى دون غيرك.

الرابعة: لفظ"أفعل"الذي من شأنه التفضيل، فلم يقل"العالي".

الخامسة: إثبات الغلبة من عال.

السادسة: الاستئناف في قوله:"إنك أنت الأعلى".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت