ولم يقل: لأنك أنت الأعلى لأنه لم يجعل علة انتفاء الخوف عنه لأنه عال، وإنما نفى الخوف عنه أولًا بقوله"لاتخف"،ثم استأنف الكلام بقوله:"إنك أنت الأعلى"فكان ذلك أبلغ في تقرير الغلبة لموسى عليه الصلاة والسلام واثبات ذلك في قلبه ونفسه.
فهذه ست فوائد في هذه الكلمات الثلاث. فانظر أيها المتأمل إلى هذه البلاغة العجيبة التي تحير العقول وتذهب الألباب، ومعجزة هذا الكلام العزيز الذي أعجز البلغاء وأفحم الفصحاء ورجلّ فرسان الكلام.
ثم تدبر قوله تعالى: (( ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين ) ) [الأنبياء:46]
لترى في نظم هذه الكلمات من جزالة اللفظ ووضوح المعنى ما لا يأتي مثله في كلام البشر.
فهذه الجملة سيقت لإظهار هول العذاب، وذلك بإظهار التأثير الشديد لأقله، فإن جميع ألفاظ الجملة تفيد التقليل وتمدّه بالقوة كي يظهر الهول وشدة العذاب في الكثير منه.
فلفظ"لئن"للتشكيك والشك يوحي القلة.
ولفظ"مس"للإصابة القليلة ليست البالغة وهو يفيد القلة أيضًا.
ولفظ"نفحة"يفيد القلة لأنه مصدر المرة الواحدة.
ولفظ"من"للتبعيض بمعنى أنه جزء من العذاب لا العذاب كله.
ولفظ"عذاب"هو نوع خفيف من الجزاء قياسًا لأنواع النكال، فهو يشير إلى القلة أيضًا.
ولفظ"ربك"يتناسب مع هذا المقام الذي يفيد قلة العذاب فاستعمل لفظ"ربك"الذي يشعر بالشفقة والرحمة، ولم يستعمل لفظ الجبار أو القهار أو المنتقم.
فتأمل كيف يكون العذاب شديدًا ومؤثرًا مع هذه القلة التي صورها وذكرها في هذا النظم البديع، وذلك مما يحرض الإنسان العاقل على التيقظ وعدم الغفلة عن النار الحامية التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين، فيتقيها المؤمن ولو بشق تمرة.
1.قوله تعالى: (( ومما رزقناهم ينفقون ) )