قد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: (لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من أهل فارس) ، أو قال: (من أبناء فارس) .
وفي رواية ثانية: قال أبو هريرة: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ {وأخرين منهم لما لم يلحقوا بهم} [1] ، قال رجل من هؤلاء يا رسول الله؟ !، فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى سأله مرّة، أو مرّتين، أو ثلاثا، قال: وفينا سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان، ثم قال: (لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء) [2] ، وهذا لفظ مسلم.
ولفظ الترمذي: (والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء) [3] .
وفي رواية لأحمد بلفظ: (لو كان العلم بالثريا لتناوله أناس من أبناء فارس) [4] .
لا يخفى على حضراتكم أن لبلاد فارس بعد الفتح الإسلامي من زمن الخلفية الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عصر الصفويين إلى بداية القرن العاشر تاريخ مشرق وماضي يفتخر به كل مسلم حيث كان مركز العلم والعلماء وموطن المحدّثين والفقهاء والشعراء.
موطن الإمام مسلم والحاكم ابن عبد الله النيسابوري، والإمام طبري، والإمام الغزالي، والإمام الفخر الرازي، والسرخسي والبيروني، والشهرستاني، والفاربي، والترمذي، وأبو داود، والخليل ابن أحمد، وسيبويه وغيرهم من المحدّثين والمفسّرين والفقهاء والحكماء.
بل كانت - مدن المشرق خاصة - معظمها من المراكز الرئيسية لرواة الحديث، ولا سيما منطقة خراسان الواسعة التي كانت تشمل على: بست، وهرات، نسأ، بلخ، بخاري، سمرقند، ومرو، وجرجان، نيسابور، سرخس،، وأضف إلى ذلك: الري - طهران - وطوس وغيرها، فكانت هذه المدن دار وكان لأهلها اليد الطولى في تدوين الحديث وعلومه، بل فاقوا وسبقوا غيرهم في جميع العالم الإسلامي بلا استثناء في القرن المذكور.
فلو استعرضنا المدونات في الحديث وعلومه، لرأينا أن معظم كتب السنة وكتب الرجال يعود الفضل في تأليفها إلى علماء هذه المناطق.
(1) الجمعة الآية 3
(2) انظر: صحيح مسلم 16/ 100 - 101 مع شرح النووي.
(3) انظر: سنن الترمذي 5/ 60،86، 382 وقد حسنه في موضع، وضعفه في موضع آخر، ورواية الترمذي وأحمد- مع ضعف أسانيده - تتقوى.
(4) انظر: مسند أحمد 2/ 397 - 309420 - 422 - 469 وفي سنده شهر بن حوسب، وهو صدوق كثير الأوهام، ويحسن بمجموع الطرق، كما قلنا سابقا.