ثم استمرّت الجهود في خدمة السنة النبوية، فصنّف الإمام مسلم الصحيح، وصُنّفت السنن الأربعة، ثم صنّف ابن حبان"الصحيح"، ومن قبله شيخه ابن خزيمة وإن"صحيحه"أصح ما صنّف في الصحيح المجرد بعد الشيخين، ثم صنّف الحاكم أبو عبد الله النيسابوري"المستدرك على الصحيحين"في القرن الرابع الهجري، وقد استدرك عليهما أحاديث كثيرة، وإن كان في بعضها مقال، إلا أنه يصفو له شيء كثير كما قال ابن الصلاح، وكذا الدارقطني إمام عصره في"الجرح والتعديل"وحسن التأليف واتساع الرواية، فعلى نفس خُطى سلفهم، ولقد اعتنى علماء الحديث عناية خاصة بمصادر الأخبار التي تتوارد عليهم وفتشوا في أسانيدها، فالإسناد من الدين، ولولاه لقال من شاء ما شاء كما قال ابن المبارك، وكانت عندهم اجتهادات في حفظ السنة، فمنهم من صنّف في المسانيد، ومنهم من صنّف في الصحاح كما تقدم، ومنهم من جمع غالب الأحاديث الحسان، ومنهم من صنّف في المعاجم، والمشيخات، ومنهم من استخرج أحاديث بأسانيد لنفسه، من غير طريق صاحب الكتاب، وكل واحد منهم يخدم السنة إلى أبلغ منتهاه، فأهل الحديث هم ورثة النبي صلى الله عليه وسلم حقا ونواب شرعه صدقا، وجهادهم وجهودهم في خدمة الإسلام والسنة لا يقدر قدرها إلا الله، هم عصابة الرحمن، وبهم تصان الشريعة، ولا يعرف مكانتهم وقدرهم إلا المنصفون، فلا ينكر هذا النتاج العظيم، والتراث الهائل، الذي خلفوه للإسلام والمسلمين، إلا معاند مستكبر، ولا يكون لأي أحد أي مكانة عند المسلمين إلا إذا عاش متطفلًا على مائدتهم، متظاهرًا باحترامهم، سالكًا منهاجهم، فعلم الحديث علم جليل وفريد اختص الله سبحانه به الأمة الإسلامية من أجل تثبيت دينها وصيانتها من الانحراف والضياع، ولم يزل أهل الحديث في اجتهاد وجهاد في نشر السنة النبوية، وقد صنّف الشيخُ بديع الدين الراشدي هذا الثَّبَت ليكون منجدًا لمن أجازه الشيخ بأسانيده إلى شيوخه، وكان بطلب ممن استجازه