بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل إلى رسوله الكتاب مع الحكمة، وأجاز لكل من يتلوهما بصدق القلب والسداد، حيث أمره أن يقول: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19] ، في جميع الأطراف والأكناف لكل من الافراد والآحاد، نزل به الروح الأمين، يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ولديه العدد والاحصاء، فلا ينقصن فيه ولا يزاد، أخذ منه رسوله، وعنه أصحابه، وعنهم أتباعهم، وهلمّ جرا إلى عصرنا، وهذا هو الإسناد، وهو من الدِّين إثباتا وإدحاضًا، ونقضا وإبرامًا، ولولاه لقال مَنْ شاء ما شاء من الأعداء والأضداد، وقد خصَّ سبحانه وتعالى به هذه الأمة، فيحمله من كل خلف عدوله، فاستفاد وأفاد، يرويه ثقة عن مثله تحديثًا، فإخبارًا، وإنباءًا، وإجازةً، فروايةً، ومناولةً، فانتشر الوحيان في القرى والبلاد، ما من قرية أو مصر إلا وفي سكة من سككها محدِّث وراو يروي ويسند، وسامع، وحامل يوصل ويبلغ بالاعتماد والإستناد، فلا يأتي أحد بشيء دون سند، أو يروي بلا إجازة إلا كان كحاطب الليل فيلدغ أو يفتضح فيخيب بالطعن والإطراد، أو كالذي يرتقي السطح بلا سلم فيسقط وتنكسر أعضائه فلا يستطيع مضيا ولا يرجع، فيُحرم عن المراد، فالروايات القرآنية والحديثية، كلها تواترت كتواتر نعمائه، وتَتَابع آلائه، فسبحان من حفظها كما شاء وأراد حيث قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، فنعم المنزِّل، والمنَزَّل عليه، وحبذا الآخذون منه مع الحفظ والإتقان، فالعمل وحسن الاعتقاد.