ثاني أمر: البيعة هي قضية اجتهادية أم قطعية؟ قال: قضية اجتهادية، قلت: جيد، إذا أقنعناكم أن إعلان الدولة خطأ يجب أن ترجعوا؟ قال: لا نستطيع أن نرجع، قلت: لماذا؟ قال أبو مسلم المصري: يا أخي لو أنت عندك عبد في شراكة فيه مع شخص آخر، واعتقت نصيبك فيه العتق لا يصح. -يقصد دولة العراق ودولة الشام-، قلت له: أنت الآن أتيت بحكم لم يسبقك إليه أحد من العلماء، معروف أن لو العبد شريك بين اثنين وأحدهم أعتق نصيبه فهناك قولان السِّراية أو السِّعاية؛ إما يسري العتق إلى بقية العبد وعلى الشريك الأول أن يدفع البقية، وإما على العبد أن يسعى في إعتاق نفسه عن طريق الكسب وتحصيل المال، ويكون نفعه كنفع العقارات بالمُهايأة؛ يعني يوم له ويوم لسيده، أما الحكم الذي أتيت أنت به ما سبقك إليه أحد. قلت حتى بالعكس الشارع في باب العتق يتشوَّف ولا يقول العتق لا يصح بل العكس يصحح العتق، بدليل أنه مثلًا في خيار الشرط في البيع لو أن إنسانًا اشترى من آخر سلعة ما وقال:"لي فيها خيار الشرط"، لا يجوز للمشتري أن يبيع السلعة قبل أن يُسقط البائع خيار الشرط، إلا في العتق لو أعتقه لسرى العتق، وهذا لتشوُّف الشارع إلى العتق.
فجأة قال لي: بالعكس هذا دليل لي، قلت: كيف؟ قال: الشارع يتشوَّف للعتق هذا دليل أن الشارع يتشوَّف إلى إعلان الدولة؛ فكما أن إعلان الدولة الشارع يتشوَّف له فلا ينبغي العودة فيه كالعتق، أنه إذا الشارع أعتق لا يعيد العتق أيضًا إذا أعلن الدولة لا يعود إعلان الدولة. قلت له: أيضًا أتيت بقياس لم يسبقك به الأوَّلون ولا الآخرون! قال: ماذا؟ قلت: لأن القياس يكون على عِلة والتشوُّف حكمة ومقصد وليست علة، قلت له: أيضًا أنت تقيس على علة، على وصف ظاهر منضبط، والإمامة عقد بين طرفين؛ بين المترشِّح إلى منصب الخلافة وبين أهل الحل والعقد فلا بد فيه من رضا الطرفين، فهو يُقاس على البيع والإجارة والوكالة ونحوها، ولا يقاس على العتق لأن العتق عقد من طرف واحد، عقد إمضاء، أنت حر وخلص لا يجوز للعبد أن يقول: أنا لست حرًا، مو عكيفه! لأنه عقد إجبار من طرف واحد، لذلك العلماء في كتب الأحكام السلطانية عندما يذكرون أحكام الإمامة يقيسونها على البيع والوكالة لا يقيسونها على العتق، أنت سبقت الآن بالقياس على العتق! فسكت.