السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه: وعند النسائي بلفظ قال:"ثم وضع يده على ركبتي النبي - صلى الله عليه وسلم -"، ووضع كفيه على فخذيه: وهذا فيه بيان لأدب طالب العلم مع العلم، وقيل: أراد بذلك تعمية أمره عليهم، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. فقال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه: وهذا فيه دليل على مرتبة الإسلام وأركانها الخمسة، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت: وهذا فيه دليل على مرتبة الإيمان وأركانها الستة، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك: وهذا فيه دليل على مرتبة الإحسان وركنها واحد، قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل: وفيه أن العبد يجب عليه أن يسأل عن الأمور التي ينبني عليها عمله ويكون عليها حسابه وجزاؤه، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها: قيل: فيه إشارة إلى اتساع رقعة الإسلام، وقيل: غلبة الجهل، وقيل: كثرة السبي، وقيل: كثرة العقوق، والله أعلم، وأن ترى الحفاة العراة العالة: أي الفقراء، رعاء الشاة يتطاولون في البنيان: وفيه انقلاب الحقائق قبل قيام الساعة وانعكاس الأمور، قال: فمضى، فلبثنا مليًا. فقال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم): ومنه نعلم عظم هذا الحديث وما اشتمل عليه من أصول الدين والعقائد، وأهمية معرفة مراتب الدين وأركانها، قال القرطبي وابن دقيق العيد رحمهما الله: هذا الحديث يصلح أن يقال له أم السنة لما تضمنه من جمل علم السنة، كما أن الفاتحة تسمى بأم الكتاب؛ لما حوت من مقاصد أحكام القرآن الكريم.
معرفة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم: هذا هو الأصل الثالث من الأصول الثلاثة التي يسأل عنها العبد في قبره، قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث سؤال الملكين:"فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ ما نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله عز وجل: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا) ، فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد - صلى الله عليه وسلم -"، ومعرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - الواجبة تشمل معرفة ما يسأل عنه العبد في قبره؛ حين يقال له:"ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول:"قرأت كتاب الله؛ فآمنت به وصدقت"، رواه أحمد وأبو داود، وفي رواية في الصحيحين:"فأما المؤمن أو الموقن فيقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى؛ فأجبنا وآمنا واتبعنا، هو محمد ثلاثًا"، وقد ذكر المصنف رحمه الله تعالى في بيان معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - تسع مسائل:"
المسألة الأولى: اسمه ونسبه: وهو محمد: قال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ} سورة الفتح (29) ، وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} سورة آل عمران (144) ، بن عبد الله: هو الذبيح الثاني المفدى بمائة من الإبل، بن عبدالمطلب: ويقال له شيبة الحمد لجوده وجماع أمر قريش إليه، بن هاشم: واسمه عمرو؛ وسمي هاشمًا لهشمه الثريد مع اللحم لقومه في سني المحل، وهاشم من قريش: واسم قريش النضر بن كنانة جد فهر بن مالك على الصواب؛ لحديث الأشعث بن قيس عند أحمد وابن ماجه قال - صلى الله عليه وسلم:"نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا"،