الصفحة 28 من 40

المثخنين بالجراح. وإن كنت معلّما؛ فانظر إليه وهو يعلّم أصحابه في صفّة المسجد. وإن كنت تلميذا متعلّما؛ فتصور مقعده بين يدي الروح الأمين جاثيا مسترشدا. وإن كنت واعظا ناصحا ومرشدا أمينا؛ فاستمع إليه وهو يعظ الناس على أعواد المسجد النّبوي. وإن أردت أن تقيم الحقّ، وتصدع بالمعروف، وأنت لا ناصر لك، ولا معين؛ فانظر إليه وهو ضعيف بمكّة، لا ناصر ينصره، ولا معين يعينه، ومع ذلك فهو يدعو إلى الحقّ، ويعلن به. وإن هزمت عدوّك وخضدت شوكته، وقهرت عناده، فظهر الحقّ على يدك، وزهق الباطل، واستتب لك الأمر؛ فانظر إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يوم دخل مكة، وفتحها. وإن أردت أن تصلح أمورك، وتقوم على ضياعك؛ فانظر إليه - صلى الله عليه وسلم - وقد ملك ضياع بني النضير، وخيبر، وفدك؛ كيف دبّر أمورها، وأصلح شؤونها، وفوضها إلى من أحسن القيام عليها. وإن كنت يتيما؛ فانظر إلى فلذة كبد آمنة وزوجها عبد الله وقد توفيا وابنهما صغير رضيع. وإن كنت صغير السنّ؛ فانظر إلى ذلك الوليد العظيم حين أرضعته مرضعته الحنون حليمة السعدية.

وإن كنت شابا؛ فاقرأ سير راعي مكّة. وإن كنت تاجرا مسافرا بالبضائع؛ فلاحظ شؤون سيد القافلة التي قصدت بصرى. وإن كنت قاضيا أو حكما؛ فانظر إلى الحكم الذي قصد الكعبة قبل بزوع الشمس ليضع الحجر الأسود في محله، وقد كاد رؤساء مكة يقتتلون، ثم ارجع البصر إليه مرّة أخرى، وهو في فناء مسجد المدينة يقضي بين الناس بالعدل، يستوي عنده منهم الفقير المعدم، والغنيّ المثري. وإن كنت زوجا؛ فاقرأ السيرة الطاهرة، والحياة النزيهة لزوج خديجة، وعائشة. وإن كنت أبا أولاد؛ فتعلم ما كان عليه والد فاطمة الزهراء، وجدّ الحسن والحسين. وأيا من كنت، وفي أيّ شأن كان شأنك، فإنّك مهما أصبحت، أو أمسيت، وعلى أيّ حال بتّ، أو أضحيت؛ فلك في حياة محمّد - صلى الله عليه وسلم - هداية حسنة وقدوة صالحة تضيء لك بنورها دياجي الحياة، وينجلي لك بضوئها ظلام العيش، فتصلح ما اضطرب من أمورك، وتثقف بهديه أودك، وتقوّم بسنته عوجك. وإنّ السيرة الطيبة الجامعة لشتّى الأمور هي ملاك الأخلاق، وجماع التعاليم لشعوب الأرض، وللناس كافّة في أطوار الحياة كلّها، وأحوال الناس على اختلافها، وتنوّعها. فالسيرة المحمدية نور للمستنير، وهديها نبراس للمستهدي، وإرشادها ملجأ لكلّ مسترشد [1] .

(1) الرسالة المحمدية (ص: 115 وما بعدها)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت