إنّ أخلاق المرء هي المرآة الصافية لسيرته، ومظهر جليّ من مظاهرها، وأيّ كتاب سماويّ غير القرآن يشهد لمن تنزل عليه بأنّه قد تحلّى بالأخلاق الحسنة، والعادات السنيّة، وأنّ صاحب ذلك الكتاب أعلى قدرا، وأرفع مكانة من سائر الناس لما هو عليه من جليل الأعمال، وقويم الأخلاق، أمّا القرآن؛ فقد أذاع بين أعداء الرسول وأوليائه قول الله - عز وجل - (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ(3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 3 - 4] ) وإذا كانت إحدى هاتين الجملتين معطوفة على الآخرى فإنهما مربوطتان ربط العلّة بالمعلول، فالثانية علّة للأولى، فأجر الرسول لا ينقطع وثوابه من الله لا ينفد؛ إذ الرسول ذو خلق عظيم، وأعماله وأخلاقه بلغت من العلو والسّمو المبلغ الذي لا ينقطع معه أجر صاحبها، ولا يقلّ ثوابه؛ لأنّ معين خلقه فياض لا ينضب، ونبع حسناته فوار لا يغيض، وقد حقّ للنّبيّ الأميّ العربي - صلى الله عليه وسلم - أن يؤنب الناس بقول الله سبحانه لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [الصف: 2] [1] .
الرسالة المحمدية (ص: 51) :
الحياة المثالية هي التي يبدأ صاحب دعوتها بنفسه فيعمل بما يدعو إليه:
إن الأخلاق الحسنة ومكارمها من العفو، والسماحة، والقرى، وبذل المال، والصّدق بالحق، والحميّة في قمع الباطل، والجهاد في أداء الواجب لا تعدّ مكارم أخلاق لأجل ترك الدّنيا، والتبتّل في عزلة عن المجتمع، وليست الحسنات من الأمور السلبية فحسب، بل معظم الحسنات ترجع إلى العمل الإيجابيّ الذي يقوم به المرء، ولا يكفي فيها ترك المعاصي، واجتناب السّوء. وهذا كلّه يدلّ على أنّ حياة العظيم لا تكون فيها الأسوة للناس ما لم تصدر عن صاحبها الأعمال الإيجابية المحمودة، والأخلاق النّافعة الكريمة ممّا يوافق الحياة المثالية، (Idial Life) وأيّ عمل يعمله المتأسّي إن لم ير لمن يأتسي به أعمالا إيجابية تتمّ بها الحياة الصالحة في شتى أطوارها. إنّ الإنسان ينشد مثالًا يقتدي به في كلّ عمل يقدم عليه في غناه وفقره، وفي سلمه وحربه، ويتحرّى السبيل الذي يسلكه إذا تزوّج، أو بقي عازبا، ويريد أنموذجا عاليا يأتمّ به إذا عبد ربّه، أو عاشر الناس، ويحاول أن يلمّ بالقوانين التي ينبغي العمل بها بالنسبة إلى الرّاعي والرعية، والحكام والمحكومين. جميع هذه الأمور ينبغي للمرء أن يتّخذ لنفسه القدوة فيها؛ لأنّ
(1) الرسالة المحمدية (ص: 145/ 147)