الصفحة 43 من 54

بسم الله الرحمن الرحيم

حمدًا غير محدود، وثناء غير معدود، لواجب الوجود، ومفيض الخير والجود، الواهب لخاص عباده زينة العقل الراسخ، وحلية الشرع الناسخ، فجعلهم مُزيَّنين بها ومُحلين فيها، وكَحّل عيون بصائرهم بكُحل الهداية جَلآها، حاى سلكوا مسالك رشاده، وجعل التوفيق رفيقهم، وهداهم لتمهيد أساس المعاش وتحقيقه، والورود العميم الورود، على روح صاحب المقام المحمود، ومصباح سرمد الوجود، ومفتاح خزانة السخاء والجود، أعني المختار بين الأنبياء والرسل، وهادي السبل، الرسول المجتبى محمد المصطفى عليه أفضل الصلوة وأكمل التحيات، المرجو شفاعته ولطفه وكرمه، والمأمول لأصحاب المعاصي والآثام، يوم يُؤخذ المجرمون بالنواصي والأقدام.

والتحيات الوافرة، والتسليمات العميمة لأرواح آله وأصحابه الطيبين، وذريته وأحبابه الطاهرين، الذين كل منهم واقف على الحديث الشريف، المرء يستظل تحت ظل صدقة [1] ، فيختار أن ينفق أمواله وأرزاقه، وينثرها في سبيل الله، فيرجحها على سائر الأفعال، عليهم رضزان الله الملك الأكبر.

وبعد، فلا يخفى على أرباب الألباب، وأصحاب الآراء، أن هذه الدنيا الغدارة، دار بوار لا تبقي ولا تذر من بناء، وأن مقيمها مشرف على الإرتحال، ونعيمها مترقب الزوال، وهي مسكن للمصائب، ومغنى النوائب، فليست محل إقامة وسرور، ولا محل راحة الوجود، ظاهرها باهر مبين، ولباس الحياة عارية، والإنسان الكامل من أخلص العبادة لخالقه بمقتضى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون) [2] فلا يغفل، وفي حال العافية يتفكر برأي رشيد، وتدبير سديد، فيزرع بذور الخيرات في مزرعة الدنيا بمقتضى (الدُنيا مَزرَعة الآخِرة) ، فيحرث بذور الحسنات، ويحصل الملكات القدسية، ويرى تكميل المعارف الأنسية، فيبذل جهده وطاقته في هذا الباب، ويتحلى بمحاسن الأفعال، ويتزكي بالأعمال الحسنة، ليكون في المحشر محشورًا بهيئة بهية، وفي دار النعيم مسرورًا بنعيم مقيم.

(1) الحديث (وَإِنَّمَا يَسْتَظِلُّ الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلُّ صَدَقَتِهِ (مسند عقبة بن عامر حديث 195.

(2) الذاريات 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت