أ) احتج الطحاوي لأصحابه الكوفيين بحديث عائشة السابق على عدم قتل الذمي أو المعاهد، أنه لو صدر هذا الكلام"السام عليك"من مسلم، لكان ردةً، أما صدوره من اليهود فالذي هم عليه من الكفر أشد منه؛ فلذلك لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن تُعقِّب الطحاوي بأن دماءهم لم تحقن إلا بالعهد، وليس في العهد أنهم يسبون النبي صلى الله عليه وسلم، فمن سبه منهم تعدى العهد، فينتقض، فيصير كافرًا بلا عهد، فيهدر دمه، إلا أن يُسلِمَ، ويؤيده أنه لو كان كل ما يعتقدونه لا يؤاخذون به، لكانوا إذا قتلوا مسلمًا لم يقتلوا؛ لأن من معتقدهم حل دماء المسلمين، ومع ذلك لو قتل منهم أحدٌ مسلمًا، قُتل، فإن قيل:"إنما يقتل بالمسلم قصاصًا، بدليل أنه يقتل به ولو أسلم، ولو سب ثم أسلم لم يقتل، والفرق بينهما أن قتل المسلم يتعلق بحق آدمي، فلا يهدر، وأما السب فإن وجوب القتل به يرجع إلى حق الدين، فيهدمه الإسلام، والذي يظهر من الحديث: أن ترك قتل اليهود إنما كان لمصلحة التأليف، أو لكونهم لم يعلنوا به، أو لكلا السببين"؛ اهـ بتصرف (انظر المحلى: 12/ 442) ، (فتح الباري: 12/ 348) .
ب) القتل يكون لمن سب الرسول صلى الله عليه وسلم فقط، وهذا حكم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره، ودليل ذلك ما أخرجه النسائي عن أبي برزة رضي الله عنه قال:"أتيت على أبي بكر، وقد أغلظ لرجل، فرد عليه، فقلت: ألا أضرب عنقه؟ فانتهرني، وقال: إنها ليست لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم".
-ويدل على ذلك أيضًا ما ذكره ابن حزم في كتابه"المحلى" (12/ 432) عن عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب، وكان على الكوفة لعمر بن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى:
"فكتب إلى عمر بن عبدالعزيز: إني وجدت رجلًا بالكوفة يسبك، وقامت عليه البينة، فهممت بقتله، أو قطع يديه، أو لسانه، أو جلده، ثم بدا لي أن أراجعك فيه، فكتب إليه عمر بن عبدالعزيز: سلامٌ عليكم، أما بعد ... والذي نفسي بيده، لو قتلته لقتلتك به، ولو قطعته لقطعتك به، ولو جلدته لأقدته منك، فإذا جاء كتابي هذا، فاخرج به إلى الكناسة فسبه كما سبني، أو اعفُ عنه؛ فإن ذلك أحب إلي؛ فإنه لا يحل قتل امرئ مسلم يسب أحدًا من الناس إلا رجلًا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم."
ج) ماذا لو سب الذمي النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم تقية من القتل؟
اختلف أهل العلم فيه على قولين: