الصفحة 19 من 57

-وقال الإمام الذهبي - رحمه الله تعالى - في كتابه"الكبائر" (ص 276) :

"إنما يعرف فضائل الصحابة رضي الله عنهم من تدبر أحوالهم وسيرهم وآثارهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد موته؛ من المسابقة إلى الإيمان، والمجاهدة للكفار، ونشر الدين، وإظهار شعائر الإسلام، وإعلاء كلمة الله ورسوله، وتعليم فرائضه وسننه، ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع، ولا علمنا من الفرائض والسنن سنةً ولا فرضًا، ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئًا."

فمن طعن فيهم أو سبهم، فقد خرج من الدين، ومرق من ملة المسلمين؛ لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساوئهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وفضائلهم ومناقبهم وحبهم.

ولأنهم أرضى الوسائل المأثورة، والوسائط من المنقول، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، وهذا ظاهر لمن تدبره وسلم من النفاق والزندقة والإلحاد في عقيدته"؛ اهـ."

أما عن سب بعضهم سبًّا يطعن في دينهم، كأن يتهمهم بالكفر أو الفسق، وكان ممن تواترت [1] النصوص بفضله كالخلفاء، فذلك كفر - على الصحيح - لأن في هذا تكذيبًا لأمر متواتر.

-يقول أبو محمد بن أبي زيد عن سحنون - رحمه الله تعالى:

"من قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي: إنهم كانوا على ضلال أو كفر، قتل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل ذلك، نكل النكال الشديد [2] ".

-وقال هشام بن عمار:"سمعت مالكًا يقول:"من سب أبا بكر وعمر قتل، ومن سب عائشة قتل؛ لأن الله تعالى يقول فيها: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور: 17] ، فمن رماها، فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن، قُتل [3] "."

-أما قول الإمام مالك - رحمه الله تعالى - في الرواية الأخرى:"من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن"، فالظاهر - والله أعلم - أن مقصود الإمام مالك - رحمه الله تعالى - هنا في سب أبي بكر فيما دون الكفر؛ اهـ.

(1) ) بعض العلماء يقيد ذلك بالخلفاء، والبعض يقتصر على الشيخين، ومنهم مَن يفرق باعتبار تواتر النصوص بفضله أو عدم تواترها، ولعله الأقرب، والله أعلم.

(2) ) الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض: 2/ 1109 (تحقيق البجاوي) .

(3) ) الصواعق المحرقة: ص 384.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت