الصفحة 35 من 60

الاستعاذة مثلها سواء، ولأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فعلى هذا تكون الذبيحة حرامًا؛ لأنها ذبيحة مشرك، والتسمية عبادة، وهي في هذا الموضع لا تؤثر؛ لأنها من مشرك، وعبادات المشرك حابطة، والعياذ بالله، ... والله أعلم. [1] ""

ونقل ابن منقور العبارة التالية: -"من"التحفة للشافعية [2] ": ومن ذبح تقربًا إلى الله لدفع شرّ الجنّ عنه لم يحرم، ولقصدهم حَرُم، وكذلك للكعبة. انتهى"

وقد تعقّبها العلامة العنقري قائلا: -"قوله: -"ومن ذبح تقربًا إلى الله لدفع شر الجن إلى آخره. أقول: هذان ضدان لا يجتمعان، وهما التقرّب إلى الله، وقصد دفع شر الجن؛ لأن التقرّب إلى الله بالذبح عبادة تختص بالهدي، والأضاحي، ونحو ذلك، والذبح لقصد دفع شر الجن عبادة لهم، وهي شرك بالله عزّ وجلّ، فلا تجتمع عبادة الله وعبادة ما سواه على حدّ سواء، بل بينهما أعظم مباينة ومباعدة، كما يعلم ذلك من وقف على حدود ما أنزل الله على رسوله، والله أعلم [3] .""

ويظهر أن هذا الغلط في مجموع ابن منقور هو تأثر بمتأخري الحنابلة، وامتداد لمقالتهم بتحريم الذبح باسم غير الله، وإباحة ما ذبح لغير الله تعالى، كما في تعقيب ابن تيمية لهذه المقولة، حيث ردّ عليهم قائلًا: -"إذا ما حُرِّم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح والزهرة أو قصد به ذلك أولى، وهذا يبيّن لك ضعف قول من حرّم ما ذبح باسم غير الله، ولم يحرّم ما ذبح لغير الله، كما قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم، بل لو قيل بالعكس لكان أوجه، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه لحرم، وإن قال فيه باسم الله .. [4] "

وعبارة ابن منقور هي نظير عبارة سليمان ابن سحيم، عندما شنّع على الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب؛ لأنه كفّر من ذبح لغير الله تعالى، يقول ابن سحيم: -"ومنها أنه يقطع بكفر الذي يذبح الذبيحة ويسمّي عليها، ويجعلها لله، لكن يدخل مع ذلك دفع شر الجن، ويقول: ذلك كفر واللحم حرام [5] ".

كما أن ابن عفالق وسليمان بن عبدالوهاب ينكران أن الذبح لغير الله كفر وردّة عن الإسلام [6] .

(1) مجموع ابن منقور (هامش) 2/ 87.

(2) يعني: تحفة المحتاج لشرح المنهاج لابن حجر الهيتمي. وقد عاب الشيخ محمد بن عبدالوهاب على من عوّل على"التحفة"، وأعرض عما أنزل الله على رسوله ..

انظر: تاريخ ابن غنام 2/ 12.

(3) مجموع ابن منقور (هامش) 2/ 88.

(4) اقتضاء الصراط المستقيم 2/ 563.

(5) نقلًا عن: فصل الخطاب لأحمد القباني ق 211.

(6) انظر: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب صـ 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت