ولا تخلو عبارة ابن منقور ونظائرها من أثر كلامي؛ إذ أن أهل الكلام لا يلتفتون إلى توحيد الإلوهية، وتحقيق إفراد الله تعالى بالعبادة، وإنما يفسرون الألوهية بالخلق أو القدرة على الاختراع، ومن ثم فإن الذبح لغير الله ليس شركًا، وليست الاستغاثة بالأموات شركًا .. ما دام أن مرتكبها يعتقد أن الله هو الخالق أو القادر على الاختراع.
وقد احتفى ابن تيمية بالردّ على هذه المغالطة واللبس عند المتكلمين، فكان مما قاله: -"والإله هو المستحق للعبادة، فأما من اعتقد في الله أنه ربّ كل شيء وخالقه، وهو مع هذا يعبد غيره، فإنه مشرك بربه متخذ من دونه إلهًا آخر، ليست الإلهية هي الخلق، أو القدرة على الخلق، كما يفسرها هؤلاء المبتدعون في التوحيد من أهل الكلام .."
فهذا موضع عظيم جدًا ينبغي معرفته، لما قد لبّس على طوائف من الناس أهل الإسلام، حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك ينافي الإسلام لا يحسبونها شركًا .. [1] ""
-وأورد ابن منقور في نهاية مجموعه إجازة الحجاوي لتلميذه محمد بن إبراهيم بن أبي حميدان [2] ، وجاء في خاتمة الإجازة: -"وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل، وأخذ جبريل عن الله سبحانه وتعالى. [3] "
ويبدو أن عبارة"أخذ جبريل عن الله"لا تخلو من إيهام وإجمال، إذ تحتمل حقًا وصوابًا، وهو أن جبريل عليه السلام سمع من الله تعالى، ونزل به منه [4] .
وقد تحتمل معنى فاسدًا، وهو أن جبريل عليه السلام أخذه من اللوح المحفوظ، ولم يسمعه من الله تعالى. [5] .
وقد سطّر العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - (1389 هـ) رسالة بعنوان"الجواب الواضح المستقيم في التحقيق في كيفية إنزال القرآن الكريم [6] "وموضوعها: نقد قول السيوطي في الاتقان: إن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ، وجاء به إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبيّن - رحمه الله - أن هذه المقالة مبنية على أصل فاسد، وهو القول بخلق القرآن، وأن الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة أن الله تعالى
(1) التسعينية 3/ 800، 801 = باختصار.
(2) انظر: ترجمته في علماء نجد للبسام 5/ 418.
(3) مجموع ابن منقور 2/ 391.
(4) انظر: مجموع الفتاوى 12/ 124، 172، 199، 566.
(5) انظر: مجموع الفتاوى 12/ 127 - 138، 554.
(6) انظر: مجموع فتاوى محمد بن إبراهيم 1/ 214 - 239.