الرحيم: على وزن فعيل؛ أي: صاحب الرحمة الخاصة بالمؤمنين، فبها وُفِّقوا إلى طاعته وأُدخِلوا الجنة، قال تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] ، وفي الحديث الصحيح: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [1] ، فالجزء الأول يرجع إلى اسم الرحمن، والتسعة والتسعون جزءًا يرجعون إلى اسم الرحيم.
وقيل: الرحمن الذي إذا سُئل أعطى، والرحيم إذا لم يُسأل يغضب، وهما مشتقان من الرحم، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسْمِي فَمَنْ وصلها وصلته ومن قطعها بتته" [2] .
والجار والمجرور متعلق بفعل تقديره:"أبدأ"، ويجوز أن يُقدَّر اسمًا"ابتدائي"على أنه مبتدأ، والمشهور أن يُقدَّر فعلًا لبلاغته، ويجوز أن يُقدَّر خاصًّا: أقرأ أو أتلو، والأفضل - والله أعلم - أن يُقدر عامًّا"أبدأ"؛ لأنه يشمل جميع العبادات والأفعال، فمثلًا تلاوة القرآن فيها القراءة والتدبر والنظر إلى المصحف.
والأصل أن يُقدَّر في أول الكلمة:"أبدأ بسم الله الرحمن الرحيم"، لكن الأفضل أن يُقدر في آخرها:"بسم الله الرحمن الرحيم أبدأ"؛ لأن تأخير ما حقُّه التقديم يفيد الحصر والقصر والاختصاص، فيكون المعنى: أي لا أطلب العون والبركة إلا من الله، وفي هذا إدخال للتوحيد في البسملة، الذي هو إفراد الله بالعبادة.
وقد ذهب أكثر العلماء إلى استحبابها قبل الأقوال والأفعال؛ فبِها بدأ الله كلامه، وكان يبدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أكله وشربه وجِماعه ودخوله إلى الخلاء ودخوله إلى البيت وخروجه منه، وغير ذلك.
واتفق العلماء أنها جزء آية من سورة النمل: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل: 29، 30] ، وأنها ليست في أول سورة التوبة التي فُضح فيها المنافقون ووُعدوا فيها بأشد العذاب، فلا يليق أن تُبدأ برحمة الله،
واختلفوا هل هي جزء آية من أول كل سورة، أو آية، أو ليست بآية أصلًا، أو آية من سورة الفاتحة؟ والصحيح - والله تعالى أعلم - الذي ترجح لنا أنها آية منفردة في المصحف ليست من السور، أُنزلت للفصل
(1) أخرجه أحمد 2/ 434، ومسلم (2752) في التوبة: باب سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه، وابن ماجه (4293) في الزهد: باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان،
(2) أخرجه أحمد 1/ 194، والبخاري في"الأدب المفرد""53، وأبو داود"1695"في الزكاة: باب في صلة الرحم"