الصفحة 100 من 211

قناعتى به، وكانت صورة الإسلام تتمثل أمامى كقطعة معمارية رائعة تتناغم أجزاؤها وتتكامل دون نقص أوعيب، وهذا التوازن يعطى إحساسًا بالراحة؛ لأن كل شئ قد وضع في مكانه الصحيح، فمنذ ثلاثة عشر قرنًا* من الزمان وقف شخص قائلًا: ما أنا إلا رجل فانٍ، ولكن الذى خلق الكون قد أرسلنى برسالة لكم كى يكفل لكم حياة تتوافق مع الكون الذى خلقه، وقد أمرنى أن أذكركم بوجوده وبعليائه وبمطلق قوته، وقد أرسلت لأضع أمام أعينكم نظامًا أخلاقيًا متكاملًا، فإذا قبلتم هذه التذكرة وهذا النظام الأخلاقى فاتبعونى، وهذا هو جوهر الرسالة المحمدية". (1) "

3 -عبد الواحد يحيى غينون (رينيه غينون) :

ولد الفيلسوف (رينيه غينون) فى فرنسا عام 1886 م. (2) ، وهناك نشأ على الكاثوليكية، وكان شغوفًا بالاتجاهات الروحية منذ سنى شبابه الأولى؛ ولذلك انضم إلى الكنيسة الغنوسطية الفرنسية ثم غادرها، كما انضم إلى الماسونية التى كان يعتبرها إحدى المؤسسات العرفانية الكبرى في العالم. (3)

ولم يكد يتم غينون دراسته العليا في باريس سنة 1908 م حتى أصدر مجلة علمية ذات طابع فلسفى أطلق عليها (المعرفة) ، وكان ممن استعان بهم في تحرير تلك المجلة عالم فرنسى تعرف عليه أثناء دراسته وهو العلامة (شمبر يونو) الذى سبقه إلى اعتناق الإسلام وسمي باسم (عبد الحق) وقد تركت تلك الصلة أثرًا عميقًا في نفس رينيه، فحملت إليه شعاعًا من نور الإسلام، لم يلبث أن تزايد مع الأيام ... وقد تعرف أيضًا على عالم فنلندى يدعى (إيفان جوستاف) كان من ألمع محررى مجلة عربية إيطالية تصدُر بالقاهرة باسم (النادى) وتعنى بالشئون الفلسفية، وقد أسلم أيضًا وتسمى باسم (عبد الهادى) وكان ينشر بتلك المجلة بعض الرسائل الإسلامية. (4)

وفى الوقت الذى أبدى (غينون) قناعته بالسقوط الوشيك للحضارة الغربية إذا هى لم تسرع في استلهام الثقافات الشرقية، وقد تصور بناء على هذه القناعة -التى أكدها بدراساته الواعية والعميقة- أن على الغرب أن يختار بين ثلاثة خيارات:"الأول: أن يسقط في حالة من البربرية والتدمير الشامل، مع نجاة بعض أفراده وهم في حالة من الانحلال مشابهة لحالة (المتوحشين المعاصرين) الذين ليسوا إلا بقايا حضارات اختفت تمامًا من التاريخ. والثانى: أن يتولاهم بالرعاية ممثلون للشعوب الشرقية، وإنه لتجنب السقوط الحتمى فإن على الغرب أن يتمثل ذلك، وهو أمر لن يتحقق إلا بوساطة المرور بمرحلة انتقالية متعبة ولكنها أحسن، على كل حال، من نتيجة الفرضية الأولى. والثالث: هى أحسن الفرضيات، وتتمثل في أن يجد الغرب في نفسه مبادئ للتطور في اتجاهات أخرى، تعيده لحالة العقلانية الحقيقية والطبيعية، وتقضى على كونه مجرد فرع مقطوع عن شجرة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت