أنه وعد أصحابة بجنة حسية ذات حور عين وأنهار من لبن وعسل ... والواقع أن مثل هذه الاتهامات تنسى أنه لم يكن في ميسور أبناء الصحراء أن يفهموا وعودا بمكافآت روحية مرهفة إلى أبعد الحدود، لقد كان من الضرورى إعطاؤهم وصفًا واقعيًا للجنة، وصفًا يكاد يكون ملموسًا، وفي كلمات بسيطة، وما كان ممكنًا إلافيما بعد، عندما بلغوا مستويات روحية أسمى، أن يخاطب البدو بلغة التعبد لله في ضعة وحب. بيد أنه لمن البهتان البالغ القول: إن محمدًا وأتباعه فهموا هذه الأوصاف الواقعية فهمًا حرفيًا، لأنهم منذ البدء وجدوا فيها معنى أعمق من ذلك الذى يستطيع الوصف إظهاره". (1) "
ولم تترك هذه المستشرقة موضوع اتهام النبى - صلى الله عليه وسلم - بالشهوانية يمر دون أن تخصصه بدراستها، وتبدى فيه أفكارها التى نفت فيها عنه - صلى الله عليه وسلم - هذا التشنيع، ولكننا نرجئ رأيها في هذا الموضوع إلى حديثنا عن محمد في ميزان الغرب.
2 -روجيه دو باسكويه:
يعتبر المستشرق السويسرى (روجيه دو باسكويه) أحسن مثال يعبر عن أقوام تعلقوا بالإسلام، وتفتحوا على ثقافته لإحساسهم العميق بالأزمة المتعددة الجوانب التى يمر بها المجتمع الغربى المعاصر، يقول هو نفسه في وصف تلك الحضارة الغربية:"خلصت هذه الحضارة إلى نظام يحط من قيمة المرء ويخدعه ليدمره في النهاية، إنها تحط من قدره، لأنها تختزله إلى مجرد مادة ووظائف كمية ... وتخدعه بجعله يعتقد أنه بفضل التقدم ... ونظام اجتماعى أفضل، والتحرر من آخر القيود المفروضة من الماضى سيتم استقباله يومًا في دولة النعيم، والانتصار على المعاناة برغم أن المعاناة لازمة من لوازم الحالة الإنسانية". (2)
وفى مقابل ذلك يشير (دو باسكويه) إلى أن الدين الإسلامى هو عامل توازن ضرورى للحضارة الغربية، ودليلًا حيًا على إمكانية أن يعيش الإنسان في القرن العشرين دون أن يفقد إيمانه، وقد صرح بذلك حين كتب:"يساعد الإسلام المرء على العيش في هذه المرحلة من التاريخ بدون أن يفقد نفسه، وتقدم الحلقة النبوية الخاتمة ... وسائل مقاومة الفوضى الحاضرة ... ويخاطب الإسلام ... الإنسان معرفًا إياه منزلته بين الخلق وأمام الله". (3)
وقد كانت هذه الأهداف الإنقاذية -إذا جاز التعبير- واضحة في ذهن هذا المستشرق تمامًا، ولذلك ألف (إظهار الإسلام) الذى كتبه"لشرح رسالة الإسلام بطريقة تناسب القراء أصحاب الخلفية أو التعليم الأوروبى".
فالقارئ مدعو لاكتشاف عالم مازال محكومًا بما أنزل الله، يختلف أساسًا، من حيث المبدأ، مع الحضارة العصرية ... إظهار الإسلام يعنى إثبات الدليل على إمكان العيش في ظلال الحقيقة". (4) "
1 -نبوة محمد. ص 204 - نقلًا عن (دفاع عن الإسلام/لورا فيشيا فاغلير) . 2 - نبوة محمد. ص 208 - نقلًا عن (إظهار الإسلام/روجيه دو باسكويه)