قالَ ابنُ كثيرٍ رحمَهُ الله: فعلَى هذا يَكونُ ما وردَ من التَّحريماتِ بعدَ هذا في سورةِ المائدةِ وفي الأحاديثِ الواردة: رافعًا لمَفهومِ هذه الآية. ومنَ النَّاسِ منْ يُسَمِّي ذلكَ نَسخًا، والأكثرونَ منَ المتأخِّرينَ لا يُسمُّونَهُ نَسخًا؛ لأنَّهُ من بابِ رَفعِ مُباحِ الأصل.
{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146]
146 -وحَرَّمنا على اليهودِ كلَّ حيَوانٍ ذي أظفار، وهو ما لم يَكنْ مَشقوقَ الأصابعِ منَ البَهائمِ والطَّير، مثلُ البَعيرِ والنَّعامِ والبطِّ والأوَزّ، وحَرَّمنا عليهمْ شُحومَ البقَرِ والغنَم، إلاّ شحمَ الظَّهر، أو ما التفَّ بالأمعاء، أو ما اختلطَ منهُ بالطَّعام؛ وذلكَ عقوبةً لهمْ على مخالفتِهمْ أوامرَنا، كأكلِ الرِّبا، وأكلِ أموالِ النَّاسِ بالباطل، وقتلِهمُ الأنبياء ... ونحنُ صادِقونَ في الإخبارِ بما حرَّمناهُ عليهم، وبظلمِهمْ وتعدِّيهم، وعادِلونَ بما جازَيناهمْ به.
{فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 147]
147 -فإنْ كذَّبكَ اليَهود، وقالوا إنَّ هذا ممّا حُرِّمَ على نوحٍ وإبراهيم، ومَنْ بعدَهما مِنَ الأنبياءِ حتَّى وصلَ إلينا، فقلْ لهم: إنَّ ربَّكمْ ذو رَحمة، فلا يُعاجِلُكمْ بالعُقوبةِ على كَذبِكمْ ومَعاصيكم، ولكنَّ عذابَهُ لا يُرَدُّ ولا يُدْفَعُ عنِ المجرِمينَ الكافرينَ إذا جاءَ وقتُه، فاحذَروا ولا تُنكِروا الحقّ.
{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148]