فهرس الكتاب
وكما اقتربت القومية العربية بالعداء للإسلام، وكما هو واضح من كلام منظريهم ومفكريهم، اقترنت القومية والقوميون بالعمالة للاستعمار وأعداء الأمة، وإذا ذهبنا نستعرض خيانات القوميين وعمالاتهم التي أظهرها الله على ألسنتهم وألسنة الذين كانوا يعملون لحسابهم، لطال المقام وطال ولكن نذكر منها طرفًا للتدليل والاستشهاد على أن شعار القوميين المرفوع ما هو إلا دهان باطنه العمالة والخسة، وظاهرة التقدمية والثورية إلى آخر هذه الشعارات.
ففي سنة [1939م] طالبت عصبة التحرر الوطني التي أنشأها الشيوعيون في فلسطين بجلاء الإنجليز، وتشكيل حكومة مشتركة بين اليهود والعرب.
وفي حرب [1948م] تحول أعضاء عصبة التحرر الوطني إلى قادة عصابات مسلحة، يذبحون الشعب الفلسطيني، وكان في هذه العصبة توفيق طوبي وإبراهيم بكر المحامي، وفؤاد نصار في يافا.
أما سقوط فلسطين وإعلان دولة اليهود فقد كان للقوميين العرب دور بارز في ذلك .. من ذلك:
-انسحاب فوزي القاوقجي بجيش الانقاذ بعد معارك ناجحة ضد اليهود مما أدى إلى نتائج سيئة وسقوط المدن الفلسطينية تباعًا.
-محاكمة القائد العراقي عمر علي محاكمة عسكرية بعد عودته إلى العراق بعد أن قاوم اليهود وأحدث فيهم مقتلة عظيمة، وكانت التهمة هي التمرد على الأوامر.
ثم جاءت اتفاقيات الهدنة، والاعتراف بدولة إسرائيل، وكان في ذلك من العمالة والخيانة ما لا يخفى على أحد لآن:
1)الأسلحة الفاسدة للجيش المصري.
2)اعتقال الإخوان من الجبهة وإرسالهم إلى معتقل الطور.
3)حين كان بإمكان الجيش العراقي أن يضرب اليهود رد القادة العراقيون: (ما كوا أوامر إلى الجيش العراقي) .
4)ثم اتفاقية رودس سنة [1949م] التي سلمت بموجبها أراضي فلسطين إلى اليهود. ولعل تصريح رئيس وزراء مصر في هذه الأيام بأنه لن يتناول في محادثته مع الأنجليز موضوع فلسطين لأنه رئيس وزراء مصر وليس رئيس وزراء فلسطين. أوضح دليل.
والدليل الأوضح الذي استبان بعد حرب [1967م] هو النكبة والنكسة.
فقد استيقظت الجماهير العربية في صباح الخامس من يونيو على هزيمة ما رأت البشرية لها نظيرًا، وما سجل التاريخ العسكري اندحارًا أغرب من هذا، ثلاثة جيوش عربية الجيش المصري والجيش السوري ينحدرون في سويعات أمام الجيش اليهودي، وتترك مساحات شاسعة من الأرض مازال أكثر من نصفها تحت الاحتلال اليهودي، فعندما حوكم صلاح نصر مدير المخابرات المصرية آنذاك، سئل عن ملابسات الهزيمة ومسئولية جهاز المخابرات المصرية عن ذلك؟ ذكر أنهم كانوا على يقين أن الضربة الأولى ستكون للطيران يوم الاثنين الخامس من يونيو الساعة الخامسة صباحًا وقال: (أبلغنا ذلك للقيادة) .. وقال أيضًا: (ودخلت عليه - يعني جمال عبد الناصر - فكنت أجده يقدم ويؤخر مقاطع من أغنية عبد الحليم"لأجل الربيع .. لأجل الحياة .. لأجل عشاق الحياة .. اضرب وقاتل") .
وقال جمال نفسه عند الاستقالة: (لقد كنا نعلم مائة في المائة أن الهجوم يوم الاثنين خمسة/يونيو، واتصل بي السفير الأمريكي الساعة السابعة مساء، وقال؛ لا تضرب، واتصل بي السفير الروسي الساعة الثالثة فجرًا، وقال؛ لا تضرب) .
أليس عجيبًا أن يطيع أوامر السفير الأمريكي على الرغم من أنه كان يقول قبل الحرب بأيام؛ سنحارب إسرائيل ومن وراء إسرائيل؟
وتستمر المهازل في المعركة، فالراديو الإسرائيلي التقط برقية من عبد الناصر إلى الملك حسين قال فيها: (أسقطنا ثلثي طائرات العدو، طائراتنا فوق تل أبيب، شد حيلك يا جلالة الملك .. التوقيع سلمى) - سلمى كان أسم عبد الناصر في الشفرة - فكانت أسلحة الجيش الأردني غنيمة لليهود، كما كانت أسلحة الجيش المصري الذي جاءه الأمر بالانسحاب بعد إلقاء السلاح .. وغنم اليهود في ذلك أكثر من [800] دبابة لم تسر إلا من مخازن السلاح إلى سيناء، وعرضها اليهود في يافا على العرب، ثم باعوا أكثر من [400] دبابة لرومانيا.
والسؤال لماذا لا ينسحب الجيش بأسلحته؟
ويذكر أكرم الحوراني وهو من منظري حزب البعث في كتابه أن جمال عبد الناصر قال له: (مطلوب منا تسليم الضفة والقطاع) ، وعندما رأى علامات الذهول في وجهه قال: (لا بد أن نسلم الضفة والقطاع) . وكان ذلك أيام الوحدة بين مصر وسوريا والتي انتهت بمأساة لا تخفى على أحد.
والكلام لا يحتاج إلى أي تعليق.
أما عن الخيانة البعثية السورية النصيرية فحدث ولا حرج، ويذكر سعد جمعة وكان رئيس وزراء الأردن في ذلك الوقت في كتابة"المؤامرة ومعركة المصير"فقد طلبت الأردن من القيادة القطرية في سوريا الغطاء الجوي كما كان متفقًا عليه فاستلهموهم ساعة ساعة ثم راجعوهم بعد ساعة فاستلهموهم ساعة أخرى، وكما يقول سعد جمعة: (وما زلنا ننتظر الرد إلى الآن) ! ثم يقول إضافة إلى ذلك: (ثم علمنا النبأ اليقين؛ أن إسرائيل أرسلت إلى سفير دولة كبرى في دمشق أمريكا تقول فيها إن إسرائيل تعطف على التجربة الاشتراكية العلوية فإذا التزمت سوريا الصمت فإن إسرائيل لا تمسها، وأرسل السفير البرقية إلى القيادة القطرية فوافقت على الفور) .
فكان نتيجة ذلك أن توجهت الألوية اليهودية لاحتلال القدس والضفة الغربية، ثم بعد ذلك استدارت إلى الجولان واحتلتها كذلك.
ويقول تشرشل الحفيد في كتابه"حرب الأيام الست": (في الوقت الذي كانت المدفعية السورية تلقي آلاف الأطنان من المتفجرات على الأعشاش الفارغة والقش اليابس، كانت جرافات البلدوزر الإسرائيلية تشق طريقها صاعدة إلى الجولان، وقد حصل أن تعطل جنزير إحدى الدبابات فوجه قائد الدبابة مدفعها نحو الدبابات الصاعدة فدمّر ست دبابات إسرائيلية، مما أعاق تقدم الجيش الإسرائيلي في هذا المحور ثماني ساعات) .
والأدهى من ذلك أن سفير سوريا في الأمم المتحدة يعلن سقوط القنيطرة بأيدي اليهود، بينما السفير اليهودي ينكر ذلك ويقول: (لا! لم ندخل القنيطرة بعد) .
فهذه الكوارث إنما جرها القوميون العرب على العرب والمسلمين، بعمالتهم التي أظهرها الله على ألسنتهم وألسنة أسيادهم.
وما زال القوميون ينقلون الأمة من سيئ إلى أسوأ، ومن تشرذم إلى تشرذم وانحطاط أكثر بالبعث العلوي يحشد القوات أكثر من مرة على حدود الأردن، وتنسحب بعد أن يأخذ من العرب ما يريد من أموال.
البعث العربي انشق فأصبح بعثين. البعث التكريتي في العراق والبعث العلوي في سوريا وبينهما ما لا يخفى على أحد من نزاع وشقاق وقد يصل الأمر بينهما إلى حد القتال، مع أن مؤسس الحزب كما ذكرنا هو ميشيل عفلق النصراني.