فهرس الكتاب

الصفحة 1529 من 3152

وقال الرشيد: أدخلت على المنصور وأنا صبيّ، فرأيته جالسا على حصير متّكئا على مسورة (1) ، فدعا بعشرة دنانير جدد فوهبها لي وأخذني وقبّلني وصرفني.

وكان المنصور يخرج من مقصورة النساء ليلا يريد المسجد، ومعه جارية حبشيّة أو صفراء تحمل له سراجا.

وكان يقول: الملوك ثلاثة: معاوية، وكفاه زياد، وعبد الملك، وكفاه الحجّاج. وأنا، ولا كافي لي.

وكان يذكر بني أميّة فيقول: رجلهم هشام.

وكان يقول: الخلفاء أربعة، والملوك أربعة.

فالخلفاء: أبو بكر وعمر وعليّ، وعثمان على ما نال وقد نيل منه أعظم. والملوك: معاوية، وعبد الملك، وهشام وأنا. ولنعم الرجل كان عمر بن عبد العزيز! كان أعور بين عميان. ونعم صاحب الحرب حمار الجزيرة من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة- يعني مروان بن محمد.

وأتى ابن ليوسف بن عمر (2) المنصور فوصله بثلاثة آلاف درهم. فقال: يا أمير المؤمنين، أمّلت منك أكثر من هذا.

فقال: هذه كانت صلة أبيك لنا؟

فقال: يا أمير المؤمنين، فأين فضل قريش على ثقيف، وفضل الخلافة على الإمارة؟

فضحك وأمر له بعشرة آلاف درهم.

وقال المنصور: معاوية للحلم والأناة، وعبد الملك للإقدام والإحجام، وهشام لتقسيط الأمور ووضعها مواضعها. وشاركت عبد الملك في قول

كثيّر [الطويل] (1*) :

يصدّ ويغضي، وهو ليث عرينة ... وإن أمكنته فرصة لا يقيلها

وقال: إنّ الحلم يزيد العزيز عزّا والذليل ذلّا.

وقال لسفيان بن معاوية: ما أسرع الناس إلى قومك!

فقال [البسيط] :

إنّ العرانين تلفاها محسّدة ... ولن ترى للئام الناس حسّادا

قال: صدقت.

وبينا المنصور يخطب إذ قام رجل فقال:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (2) [الصفّ: 2] فأخذ. فلمّا قضى المنصور صلاته ودخل القصر دعا به فقال: طالت صلاتك وكثر صومكفضجرت من الحياة وقلت: أعترض هذا الرجل فأعظه، فإن قتلني دخلت الجنّة، وهيهات أن تدخلها بي! خلّوا سبيله!

وخطب في بعض الجمع فقام رجل من الصوفيّين فقال: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 44] فأخذ. فلمّا فرغ من خطبته أمر أن يضرب أربعين درّة فضرب. ثم دعا به فقال: «إنّا لم نضربك لقولك، إنّما ضربناك لكلامك في الخطبة، فلا تعد! » وأمر بتخلية سبيله.

وخطب مرّة فلمّا قال [91 أ] : «وأشهد ألّا إله إلّا الله» ، قام إليه رجل في أخريات الناس فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي أذكّرك من ذكرت.

فقال: «سمعا سمعا لما ذكّر بالله وأيّامه! وأعوذ بالله أن أكون جبّارا عنيدا وأن تأخذني العزّة

(1) المسورة: متّكأ من جلد.

(2) يوسف بن عمر الثقفيّ: ولي العراقين لبني أميّة سنة 120. الوفيات (843) 7/ 101.

(1*) ديوان كثيّر: 261 بيت 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت