فهرس الكتاب

الصفحة 1596 من 3152

فقال: الله أكبر! يا غلمان، نعل أبي محمّد!

[ (قال) ] وكنت (1) أمشي يوما مع المأمون في بستان موسى في ميدان البستان، والشمس عليّ وهو في الظلّ، فلمّا رجعنا قال لي: «كن الآن أنت في الظلّ! » فأبيت عليه فقال: أوّل العدل أن يعدل الملك في بطانته، ثم الذين يلونهم حتى يبلغ إلى الطبقة السّفلى.

*** وقال المأمون (2) : الملوك لا تحتمل ثلاثة أشياء: إفشاء السرّ، والتعرّض للحرمة، والقدح في الملك.

وقال يحيى بن خالد البرمكي: قال لي المأمون: يا يحيى، اغتنم قضاء حوائج الناس، فإنّ الملك أدور، والدهر أجور من أن يترك لأ [حد] حالا أو يبقي لأحد نعمة.

*** وقال المأمون: غلبة الحجّة أحبّ إليّ من غلبة القدرة، لأنّ غلبة القدرة تزول بزوالها، وغلبة الحجّة لا يزيلها شيء.

وقال لأبي حفص عمر (3) بن الأزرق الكرماني:

أريدك للوزارة.

قال: لا أصلح لها يا أمير المؤمنين.

قال: ترفع نفسك عن الوزارة؟

قال: ومن يرفع نفسه عن الوزارة؟ ولكنّي قلت هذا رافعا لها واضعا لنفسي عنها (4) .

فقال المأمون: إنّا نعرف موضع الكفاة الثقات

المتقدّمين من الرجال، ولكنّ دولتنا منكوسة، إن قوّمناها بالراجحين انتقضت، وإنّ أيّدناها بالناقصين استقامت، ولذلك اخترت استعمال الصواب فيك.

*** وقال المبرّد: أنشد المأمون بيت أبي العتاهية [الوافر] :

تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذلّ الحرص أعناق الرجال

فقال: الحرص مفسد للدين والمروءة. والله ما عرفت من أحد قطّ حرصا أو شرها فرأيت فيه مصطنعا!

وقال: من لم يحمدك على حسن النيّة لم يشكرك على جميل الفعل.

وقال: ما أقبح اللجاجة [134 ب] بالسلطان! وأقبح من ذلك الضجر من القضاة قبل التفهّم، وأقبح منه سخافة الفقهاء بالدين، وأقبح منه البخل بالأغنياء. والمزاح بالشيوخ، والكسل بالشباب، والجبن بالمقاتل.

*** وقال: أظلم الناس لنفسه من عمل بثلاث: من يتقرّب إلى من يبعده. ويتواضع لمن لا يكرمه، ويقبل مدح من لا يعرفه.

وقال مخارق: أنشدت المأمون قول أبي العتاهية [الطويل] :

وإنّي لمحتاج إلى ظلّ صاحب ... يرقّ ويصفو إن كدرت عليه

قال: «أعد! » فأعدت سبع مرّات. فقال: يا مخارق، خذ منّي الخلافة. وأعطني هذا الصاحب! لله درّ أبي العتاهية، ما أحسن ما قال!

(1) العقد 2/ 431.

(2) العقد 1/ 12.

(3) تاريخ بغداد 10/ 186.

(4) في المخطوط: لنفسي بها. والإصلاح من تاريخ بغداد 10/ 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت