والكفّ طول كثير، فكنى عن طول القامة بغير لفظه الخاص به، وأبدع ما في التتبيع قول امرئ القيس: [الطويل]
* نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضّل [1] *
فدلّ على ترفهها، وأن لها من يكفيها المئونة باللفظ التابع لذلك.
وسمّاه قوم الإيغال، وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما قبل انتهائه إلى القافية، ثم يبلغ القافية بزيادة مفيدة تزيد معنى البيت براعة.
قيل للأصمعيّ رحمه الله تعالى: من أشعر الناس؟ قال: من يأتي إلى اللفظ الخسيس فيجعله بلفظ حسنا أو ينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى، مثل قول ذي الرّمة: [الطويل]
أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبديد الجمان المفصّل [2]
فتم كلامه، ثم احتاج إلى القافية فقال: المفصّل فزاد شيئا.
ومن التبليغ قول امرئ القيس: [الطويل]
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الّذي لم يثقّب [3]
فقد أتى على التشبيه قبل القافية، وزاد بقوله: «الذي لم يثقّب» بلوغا إلى الغاية القصوى في الجودة، وكذلك قوله: [الطويل]
إذا ما جرى شأوين وابتلّ عطفه ... تقول هزيز الريح مرّت بأثأب [4]
فمرّت بأثأب زيادة على التشبيه التام، والأثأب شجر يكون للريح في أغصانه حفيف شديد، فأفادت الزيادة في التشبيه معنى بديعا. وقال زهير: [الطويل]
كأنّ فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم [5]
(1) صدره:
وتضحي فتيت المسك فوق فراشها
والبيت لامرئ القيس في ديوانه ص 17، وسر صناعة الإعراب 2/ 575، ولسان العرب (عنن) ، وتاج العروس (فضل) ، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص 513، ورصف المباني ص 367.
(2) البيت في ديوان ذي الرمة ص 501، وفيه «كتبذير» بدل «كتبدير» .
(3) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص 53، ولسان العرب (جزع) ، وأساس البلاغة (جزع) ، وكتاب العين 1/ 216، وتاج العروس (جزع) .
(4) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص 49، وشرح التصريح 1/ 262، ولسان العرب (هزز) ، والمقاصد النحوية 2/ 431، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 5/ 220، وأوضح المسالك 2/ 71.
(5) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 12، ولسان العرب (فتت) ، (فنى) ، والمقاصد النحوية 3/ 194، وبلا نسبة في شرح الأشموني 1/ 159.