قوله: (وآخر الخ) عطف على ابتداء كما تقدمت الإشارة إليه. ومعنى كونها آخر دعوى المؤمنين الخ أن المؤمنين في الجنة إذا اشتهوا شيئا طلبوه بأن يقولوا: سبحانك اللهم وبحمدك. فإذا ما طلبوه وجدوه بين أيديهم على الموائد، كل مائدة ميل في ميل، على كل مائدة سبعون ألف صحفة، في كل صحفة لون من الطعام لا يشبه بعضها بعضا. فإذا فرغوا من ذلك قالوا: الحمد لله رب العالمين، كما أخبر الله عنهم في قوله: {دَعْوَاهُمْ فِيْهَا} [يونس (10) : 10] الخ. وقال بعضهم: المراد أنهم يشتغلون في الجنة بالتسبيح والتقديس لله تعالى، ويختمون ذلك بالتحميد والثناء عليه بما هو أهله، وفي هذا الذكر سرورهم وكمال لذاتهم. وهذا أولى من الأول؛ لأن الإمام الرازي شنع على قائل الأول بأنه ناظر في دنياه وآخرته للمأكول والمشروب، وحقيق بمثل هذا أن يعدّ في زمرة البهائم ولا تنبغي هذه المبالغة، فقد قاله البغوي وتبعه جماعة من المفسرين.
قوله: (في الجنة) هي لغة: البستان، واصطلاحا: دار الثواب بجميع أنواعها. وهي سبع جنات متجاورة، أوسطها وأفضلها الفردوس، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة النعيم، وجنة عدن، ودار السلام، ودار الجلال، كما ذهب إليه ابن عباس. وقيل: أربع، ورجحه جماعة لقوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن (55) : 46] ، ثم قال: {وَمِنْ دُوْنِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن (55) : 62] كما ذهب إليه الجمهور. وقيل:
واحدة. وكل الأسماء متحققة فيها، إذ يصدق عليها جنة عدن أي إقامة وجنة الخلد وجنة النعيم وهكذا. والأكثرون على أن الجنة فوق السموات السبع وتحت العرش، والنار تحت الأرضين السبع. والحق تفويض ذلك إلى علم اللطيف الخبير.