الصفحة 166 من 453

إن أفراد الجماعة وإن اختلفوا في الصفات الشعورية التي هي نتاج التربية والتكوين والتعليم، فإنهم يتشابهون في الصفات اللاشعورية كالشهوات والمشاعر، والفرق الشاسع مثلا بين الطبيب والإسكافي من حيث العقل والذكاء، يذوب أو يضعف من حيث الطباع التي مرجعها الشعور کالدين والعادات والتقاليد، وهذه الصفات العامة في الطباع المحكومة باللاشعورية الكائنة في روح أفراد كل أمة بدرجة واحدة تقريبا، هي التي لها المقام الأول في حركة الجماعة، إذ يتخلى الأفراد من العقل كمرجعية، وينصهرون في روح الجماعة، وتسيطر الخواص المتشابهة على الخواص المتغايرة، وتسود الصفات اللاشعورية، ويصبح الفرد أداة تتحكم فيها إرادة الجماعة، وبذوبان الفرد داخل الجماعة هبط عدة درجات من سلم المدنية، حتى وإن كان رجلا مثقفا ومتعلما، إذ أنه بانكماشه في الذات اللاشاعرة، يصبح ساذجا تابعا للغريزة، فيه اندفاع الرجل الفطري وشدته، وفيه عنفه وقسوته وحماسته وشجاعته، وفيه من سهولة التأثر بالألفاظ والشعارات والصور مما لم يكن يتأثربه وهو خارج الجماعة، ثم فيه الانقياد إلى فعل ما يخالف منافعه وحاجاته البديهية، ويناقض طباعة التي اشتهرت عنه. وباختصار، فإن الفرد في الجماعة أشبه بحبة من رمال تثيرها الريح ما إن هبت.

من أهم سمات الجماعة، قابليتها للإندفاع والتقلب، فالمعروف عن الجماعة أنها كثيرة الاستجابة لمؤثرات متنوعة، وهذه الاستجابة لا تشيها المنافع الذاتية للأفراد حتي منفعة حفظ الذات نفسها، كما تتصف الجماعة بسرعة انتقالها من النقيض إلى النقيض، إذ تارة تكون رحيمة كريمة، وتارة أخرى ظالمة مستبدة، فهي تنتقل من شعور إلى آخر خاضعة لتأثير الشعور المستحوذ عليها وقت الفعل، وعليه يسهل كثيرا التأثير فيها من خلال مشاعرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت