الصفحة 47 من 453

بنفس العناية والاهتمام التي لقيتها بعض المظاهر الاجتماعية الأخرى كالانتحار مثلا، وإلى غاية كتابة هذه السطور، لم أعثر في أي كتاب أو مجلة أو أي منشور عن خبريزف لنا بشري إقامة معهد خاص لدراسة ظاهرة الحرب، وقد تعجبت كثيرا مثلما تعجب من قبلي غاستون بوتول عندما وجدت الإهمال الفادح للباحثين لهذه الظاهرة وإقبالهم الشديد على دراسة الظواهر الأخرى كالأمراض والزلازل والبراكين رغم أن الحروب سبب وحدها من الضحايا أضعاف مضاعفة ما تخلفه هذه الظواهر مجتمعة.

يرى أوغست كونت أن معرفة ظاهرة ما، يتطلب اكتشاف أصولها. إن الباحث الدارس لظاهرة الحرب، أول ما يصطدم به، هو ذلك الاختلاف الظاهر في تحديد أصول الحرب وتعاليمها، فهو يجد دائما كلمة (الحرب) مسبوقة إما بكلمة (فن) أو بكلمة (علم) ، ويزداد اكتناف بحثه غموضا عندما يكتشف ذلك الرفض العنيد لبعض خبراء الحرب الذين يصرون على ضرورة عدم إدماج الحرب في دائرتي الفنون أو العلوم، ومن بينهم الجنرال الألماني كارل فون کلاورفيتز الذي قال: « .. ويجب ألا توضع الحرب بين الفنون ولا في مصاف العلوم بل توضع في نطاق آخر، نطاق الحياة الاجتماعية، فالحرب صراع بين مصالح تحل مشكلاتها بالدم» (1) .

أكد المارشال الفرنسي لويس شارل أونطوان دوساکس (2) ،

أنه ليس هناك مبادئ للحرب، وأنها علم مغطى بالظلمات لا يستطيع الإنسان أن يسير في عتمته خطوة مؤكدة، حيث أن الروتين والمبررات هي أساس الحرب، وكنتيجة طبيعية لهذا

(1) منصور محمد عبد العزيز، في عالم الحرب، الطبعة الأولى، دار الاعتصام، 1974. ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت