هناك من هو أكثر منه حذرا، فعندما يضع مخططا عسكريا جسم لنفسه جميع الأخطار والمتاعب الممكنة في كل الظروف فيعيش في انفعال مؤلم حقا، وعندما يتخذ قراره ينسى كل شيء، إلأ ما يدفع قراره إلى النجاح، ويرفض نابليون أن تكون العبقرية هي التي تكشف له فجأة، وبصورة سرية ما عليه أن يقوله أو بفعله في ظرف لا يتوقعه الآخرون، إما بقاءه دائما جاهزا للرد على كل شيء ومجابهة أي شيء وتفكيره الطويل قبل الإقدام على العمل وتوقع ما يمكن أن يقع.
إن إدارة حرب دون معرفة العدوهي إدارة فاشلة، ونسبة تحقيق الانتصار فيها ضئيلة جدا، فمعرفة الخصم من أهم العوامل المساعدة على تحطيم إرادته، وحسب الجنرال كارل فون کلاوزفتز، فإن المعلومات في الحرب تعني مجموع المعارف الخاصة بالعدو وبلاده، وهي بالتالي الأساس الذي نبني عليه أفكارنا وأفعالنا.
وقد أكدت جميع الأنظمة العسكرية أنه ينبغي ألا تضع ثقتها إلا بالمعلومات الأكيدة، وأن تتمسك دائما بالحذر التام، حيث أن كل ما يطلب من الضابط في هذا الصدد شيئا من التمييز الذي لا يتم الحصول عليه إلا بفضل المهارة النفسية والمهنية والقدرة على الحكم، وعلى هذا الضابط الإعتماد على قانون الاحتمالات وهذه صعوبة لايمكن تجاهلها عندما يتعلق الأمر بمخططات أولية موضوعة في مكاتب الأركان وخارج نطاق الحرب الحقيقية (1) .
من المتفق عليه، لكي يقهر الجيش خصمه، لابد له من
معرفة كل صغيرة وكبيرة تتعلق بعدوه، ومعرفة طبيعة الأرض التي ستدور عليها رحى المعركة معرفة تامة مدققة، وإن أي
(1) الجنرال كلاوزفتزكارل فون، الوجيز في الحرب، ترجمة أكرم ديري والهيثم الأيوبي، الطبعة الثانية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980.