ومن الغريب أن ردة الفعل الفلسطينية على وعد بلفور الصادر في 1917/ 11 / 2 كانت ضعيفة، ولذلك أسباب أوردها حليل السكاكين في مقال له بعنوان"ماذا فهم العرب من وعد بلفور"نشرته جريدة"السياسة"المصرية في
1923/ 6 / 1: كتب السكاكين:"إن العرب كانوا من الضعف والإعياء لا يستطيعون معهما أن يهتموا بشيء، وأهم قدروا أن الوعد قد ص در لضرورات حربية اقتضتها أوضاع الحرب العالمية الأولى، فإذا زالت تلك الضرورات سقط الوعد من تلقاء نفسه، وأنهم كانوا يعرفون بوعود بريطانيا للعرب والتي سبقت وعد بلفور، كما توهموا أن الأمة البريطانية أعلى من أن ترضى بمثل هذه الخيانة القضية العرب. ولذا فلا بد أن تنكر على حكومتها هذه السياسة الخرقاء. واعتقد العرب بندرهم على إبطال وعد بلفور متى تنفسوا الصعداء ووقفوا على أقدامهم بعد انتهاء الحرب. كما ذهب بعضهم إلى الظن إلى أن اليهود أعجز من أن ينالوا فلسطين ما دامت الأمة العربية حية واعية، كما تصوروا أن الوعد أقرب إلى الخيال والحلم منه إلى الحقيقة، وأن اليهود من ثابوا إلى رشدهم وأدركوا المصاعب والمتاعب التي ستواجههم في فلسطين وفي غيرها من أقطار الدنيا تراجعوا وتخلوا عنه، وقدر العرب أيضا أن فلسطين لن تتسع لليهود، وأن الوطن القومي لا يشتري بالمال ولا بنال بالدسائس والدعاية والمؤامرات السياسية".
وما إن شعر العرب بالنشاط اليهودي المنظم في فترة الاحتلال العسكري البريطاني ومالأة الإنكليز لليهود، حتى أسرعوا إلى إنشاء الجمعيات الإسلامية - المسيحية في مدن فلسطين الكبرى، هدف مقاومة فكرة الوطن القومي اليهودي. وكانت هذه الجمعيات حجر الأساس الذي قامت عليه الحركة الوطنية الفلسطينية التي اتخذت شكلها المنظم بانعقاد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس في نهاية س نة 1919، واتخذ هذا المؤتمر عدة قرارات اعتبرت بمثابة ميثاق قومي العرب فلسطين وأهمها: رفض وعد بلفور، ومقاومة الهجرة اليهودية إلى البلاد، ورفض الانتداب البريطاني والمطالبة بوحدة فلسطين مع سورية، وتسمية فلسطين"سورية الجنوبية (1) ."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المرجع، ص 130 - 131.