يا بلدي والسلطة خدت (أخذت) ولدي، يا عزيز عيني وأنا بدي (أو) اروح بلدي". والذي تردد في جنبات البلاد خلال سنوات الحرب العالمية الأولى تعبيرا عن الظلم الذي لقيه الفلاحون من السلطة العسكرية الإنجليزية في تلك الفترة، والذي كان العامل الرئيس وراء مشاركة الفلاحين الواسعة في ثورة 1919؛ إذ إن مشاركة الفلاحين المصريين ضمن فرق العمال لخدمة المجهود الحربي البريطاني لم تكن تطوعا، فقد توافرت فيها كل أنواع القهر والإحبار، ففي شهادة الأحد الضباط المسؤولين ع ن الإمدادات للجيش البريطاني في مصر أمام لجنة من كبار الموظفين البريطانيين ش كلت البحث هذا الموضوع في عام 1917 بذكر أنه في زيارة إلى أسيوط وجد قائد المعسكر البريطاني فيها يحيط مناطق تواجد العمال المصريين بالأسلاك الشائكة، وفي جانب آخر من هذه الشهادة يذكر أن من بين 200 من هؤلاء المتطوعين أمكن التعاقد معهم في بني سويف، وصل عامل واحد إلى القاهرة وهرب الباقون في الطريق، كما أن سياسة تدخل الإدارة المصرية للقبض على الفلاحين وتصديرهم إلى فرق العمال لم تكن بدورها تطوعا من رجال الإدارة المصرية من المأمورين والعمد، بقدر ما كانت سياسة مرسومة من الإدارة البريطانية (1) "
استولت السلطة العسكرية البريطانية على الدواب اللازمة لها، فلم تبق على جمل أو حمار صالح للعمل إلا استولت عليه بأبخس الأمان، وقامت بمصادرة الحاصلات الزراعية والحبوب والمون وعلف المواشي، وفرضت على كل مرکز إداري مقدارا معينا من الحبوب بوده للجيش بأسعار بخسة؛ فكان الفلاحون
طلب منهم في بعض الأحيان أكثر مما عندهم فيضطرون تحت تأثير الضغط إلى شراء ما يطلب منهم بأسعار السوق (2) ، حتى لم يجد الناس ما يلزمهم لقونم الضروري و علف مواشيهم، وكذلك استولت على معظم الأشجار الخشبية لتنتفع بأخشاها. ولم تكتف السلطة العسكرية بمجمع العمال والمون والمواشي والدواب، والاستيلاء عليها بأبخس الأثمان وبأسعار تقل كثيرا عن أسعار السوق؛ بل استدعت الرديف من الجيش المصري لتستخدمه في الأعمال الحربية، وبلغ عدد من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) برکات:"الفلاحون بين الثورة العرابية وثورة 1919"، ص 223 (2) نفس المرجع، ص 223 - 226