فهرس الكتاب
لا يوجد في هذا الجزء من العالم الا عدد قليل جدا من الطرق المعبدة، أما بقية الطرق وكذلك الأراضي المفتوحة فقد تحولت إلى أهوار لزجة وراح رجل المشاة بتخبط وهو يسير بالوحل، بينما احتاج كل مدفع إلى عدة مجموعات من الخيول لسحبه إلى الأمام، وغطست جميع العربات ذات العجلات حتى محاورها في الوحل اللزج، وحتى العربات المجنزرة كانت لا تستطيع التحرك الا بصعوبة كبيرة، وتعطل جزء كبير من مدفعيتنا الثقيلة عن الحركة في الوحل، ولذلك لم تكن متيسرة للاشتراك في معركة موسكو، أما توعية هذا الوحل فريما يمكن ادراكها اذا عرفنا أن الدبابات نفسها والعربات المجنزرة الأخرى استطاعت بشق الأنفس أن تتقدم، وغالبا ما كانت تغرز بتكرار. وربما يمكن الآن تصور الاجهاد الذي سببه ذلك كله إلى قطعاتنا المنهكة أصلا من السابق.
في هذا الوقت جوهنا بمفاجأة غير سارة أخرى، هي الديابة الروسية ت 34، فلقد ظهرت اول دبابة من هذا النوع خلال معركة فيازما، وفي عام 1941 كانت هذه الديابة أعظم دبابة ضد النيران المضادة. ولم يكن بالامكان معالجتها الا من قبل دبابة أخرى أو من قبل المدفعية، وكانت منيعة كل المتعة ازاء الأسلحة المضادة للدبابات التابعة للمشاة، لان مشباتنا في ذلك الوقت كانوا مجهزين فقط بمدافع ضد الدبابات عيار 37 ملم و 50 ملم، وكان هذان المدفعان كافيين تماما للقضاء على جميع أنواع الديانات الروسية التي اصطدمنا بها حتى ذلك الوقت، إلا أنه لم يكن لها أي تأثير ضد دبابة ت 34. وهكذا أصبح موقف فرق المشاة حرجا جدا وشعروا انهم عراة تماما ازاء هذه الديابة الجديدة. وظهرت الحاجة إلى مدفع عيار 70 ملم على الأقل، إلا أن مدفعا كهذا لا بد أن يصنع أولا. وفي معركة فيازما، اندفعت الدبابات الروسية رأسا وبكل بساطة من خلال فرقة المشاة السابعة، واتجهت نحو مواضع المدفعية، وركضت فوق المدافع بالذات، وكان التأثير الذي أحدثته هذه الدبابات على معنويات رجل المشناة واضحا كل الوضوح، فكانت هذه بداية لما سمي فيما بعد برعب الدبابات.
لقد اطلعنا على أمر للعدو كان قد وقع في أيدينا، وكان موقعا من قبل الماريشال تيموشنکو ومعدا بعناية فائقة لأجل تشجيع قطعاته بعد هزائمها العديدة , وقد أدرج فيه نقاط الضعف المزعومة لدى الألمان حيث قال تيموشنکو لرجاله: أن قوة الألمان الرئيسية تكمن في مهارتهم الفنية وفي تجهيزائهم. أما الجندي الألماني، كما قال تيموشنکو، فهو لا يجاري الجندي الروسي في القتال يدا بيد، وانه (أي الجندي الالماني) يصبح مضطريا وخائفا عندما يقاتل ليلا أو في الغابات الشاسعة والاهوار، وفي حرب من هذا النوع يكون الجندي الروسي هو الأحسن. وطبعا أن هذا القول ليس صحيحا تماما، ولو كان كذلك لما كنا الآن على أبواب موسكو. ومع ذلك فان هذا الأمر الروسي احتوى فعلا على شيء من الحقيقة، لان الأوروبي الغربي شخص متمدن بدرجة عالية جدا، بحيث انه لا يستطيع، من نواحي عديدة، مجاراة الشرقي الأكثر خشونة، والذي يعيش بتماس أكثر مع الطبيعة. أما بخصوص قوتنا الجوية فقد قاتلت