فهرس الكتاب
هتلر أوامر مشددة لارسال تلك الملابس إلى الشرق. وفي المانيا تم جمع كميات كبيرة من الفراء والملابس الشتوية الأخرى على نطاق واسع. وفي الحقيقة تم انجاز قسم كبير من عملية الجمع هذه بسرعة مرموقة، ومع ذلك فقد جاء هذا الاجراء متأخرة، لأن الملابس التي تم جمعها كانت تحتاج إلى عدة أشهر من الوقت قبل أن تصل الى القطعات فعلا، ولذلك فقد كان على الجنود أن يفضوا شتاء هم الأول في روسيا يقاتلون بشلة، وهم مجهزون فقط ببدلة صيفية ومعطف وبطانية .. صحيح أن ما كان متوافرة في روسيا نفسها من (جزم) مبطنة وأغطية رأس من الفراء وملابس صوفية داخلية قد تمت السيطرة عليه، الا أن كل ذلك لم يكن الا قطرة في محيط، ولم يؤثر الا قليلا على حالة القسم الأكبر من جنودنا.
لقد كان التموين ناقصأ عادة ولم تتيسر الأبضعة طرق حديدية في المنطقة التي وراء الجبهة، وكانت هذه الطرق غالية ما تقطع من قبل قوات الأنصار، اضافة إلى أن الماء قد تجمد في مراجل القاطرات التي لم تصنع لتحمل الطقس الروسي، ولم تستطع القاطرة الواحدة أن تسحب أكثر من نصف العدد الاعتيادي من الشاحنات، كما أن كثيرا من القاطرات قد تعطل عن الحركة ايامأ كاملة من جراء الثلوج والجليد. ولم يكن يؤبه لطلباتنا الفورية بخصوص تزويدنا بقذائف المدفعية الا نادرة، وبدلا من ذلك، ولأجل تشجيع الجنود في الجبهة الشرقية، أرسل لنا ما يعادل حمولة قطارات كاملة من النبيذ الأحمر من فرنسا والمانيا. ويمكننا أن نتصور غضب احدي الوحدات التي استلمت حمولة قطار من النبيذ عوضا عن القذائف التي هي بأمس الحاجة اليها. وحتى شحنات النبيذ هذه كانت على الغالب غير مجدية، لأن الخمر في درجة (40 درجة مئوية تحت الصفر، وهي درجة ليست غير اعتيادية في هذا البلد، غالبا ما كان يتجمد خلال نقله وينفجر في زجاجاته. وكل ما يتبقى منه بعد ذلك عبارة عن ثلج أحمر اللون!.
أما المواضع الدفاعية التي يفترض أن تمتع ساكنيها ملجأ، فلم يكن لها وجود تقريبا، الأمر الذي أدى إلى تطور تكتيكي، راح فيه الطرفان يقاتلان بمرارة من أجل وضع اليد على القرى المتناثرة التي يتوافر فيها على الأقل بعض الحماية من البرد. أما النتيجة الأخرى التي ترتبت على ذلك، فهي أن الطرفين كانا يصبان تيران مدافعها على تلك القرى ويشعلان النيران في البيوت الخشبية، من أجل حرمان العدو من الانتفاع بفوائدها، أما حفر المواضع فقد كان أمرأ لا جدوى منه، حيث انه لا يمكن الحفر في أرض متجمدة تشبه الحديد بصلابتها، وحتى الأسلحة لم تستطع أن تأمن شر البرد، فقد تجمد الزيت في قطع المدفعية، كما تجمدت آلية الرشاشات، وغالبا ما كان يستحيل فتح المغلاق، ولم يكن لدينا أي (غليسرين) أو وقود مصمم للاستعمال في البرودة الشديدة. وفي الليل كان من الضروري أن تشعل النيران الصغيرة ونديم استعارها لمحت دباباتنا لئلا تتجمد محركاتها فتتفجر، وكثيرا ما انزلقت الدبابات فوق الأرض الجليدية، ثم انكفأت مائلة على جوانبها.