منذ سقطت بغداد في مارس 1917 أنشئت فيها القيادة العسكرية العامة البلاد الرافدين، متضمنة القيادة العامة السياسية، وكانت رحلتي من القاهرة إلى بغداد قد استغرقت - باكثر الوسائل بسرعة - شهرا كاملا، ولم يكن هناك - عندئذ - اتصال مباشر سوى عن طريق السويس - عدن - بومباي - کراتشي - الخليج الفارسي - دجلة، وهي رحلة بحرية طولها أربعة آلاف ميل، بدلا من المسافة البرية وقدرها ثمانمائة ميل.
ونتيجة لسوء التعامل مع بريدي الخاص، لم أتلق خلال الأشهر الثلاثة التي غبت فيها عن مصر أى خطاب، وكانت تغيرات الرحلة ومخاطرها - بالنسبة لى - فتا العالم جديد، احتلت أكبر مساحة من اليوميات التي سجلتها عن الحرب، والتي كتبتها أصلا لوالدتي في إنجلترا، ولذلك نجوت من الحريق الذي أصاب منزلي، وكانت السمة المميزة بصورة مباشرة للشرق الأوسط عقب استبلائنا على بغداد، هي الارتباط المباشر بين السير بيرسي زکريا کوکس، الذي كان رجل بريطانيا البارز في الخليج لعقد كامل من الزمن، وجانبية ومعرفة وحماس جرترود التي أسعدتني، وأغامر بالاقتباس المباشر من الوثائق الرسمية التي كتبتها عندئذ.
14 أبريل 1917 - من على متن السفينة نانكن (بنيت عام 1888) بالمحيط الهندي غادرت القاهرة الساعة السادسة والربع يوم الأحد الماضي الثامن من أبريل. وودعنى بالإسماعيلية الأميرال ويميس، الذي وضعني في حماية القبطان نوجمود في طريقه لتولى قيادة الزوارق البحرية ببلاد الرافدين، وبرفقته نوکس وسناج من كبار ضباط البحرية، واستغرقت الرحلة إلى السويس نصف ليلة، وخلدت للنوم بفندق جبل سيناء، وأجريت اتصالا هاتفيا بدار المندوب السامي، فعلمت أنني لن أتلقي بريدا من إنجلترا، مما يعني انقطاع الصلة بيني وبين أسبوعيا لمدة خمسة أسابيع وغادرنا السويس الساعة الواحدة بعد ظهر الاثنين، ولم نصل إلى عدن قبل الحادية عشرة من صباح السبت، وقد تمت تغطية جميع الأنوار في الليلتين الأخيرتين
و