الصفحة 54 من 660

إن كتابة مثل هذا الكتاب من الصعوبة بمكان، فقد أتت النار على كتبي وجميع أوراقي في حريق شب بمنزلي عام 1931، ويذلك لم يكن لدي مادة مهيأة أو محفوظة يمكن الاستعانة بها، ولكن كانت لدي عادة التزمتها منذ غادرت إنجلترا عام 1904 في الكتابة إلى أمي أسبوعيا، وأن أرفق برسائلي لها بعض الأشياء التي قد أري فيها ما يهمها، وقد احتفظت أمي بكل هذه الخطابات والوثائق المرفقة بها، وبعض المذكرات التي كتبتها عن مهام أو جولات كلفت بها أيام الحرب (العالمية الأولى) ومن بين تلك المنكرات المستفيضة واحدة عن بغداد أصف فيها زيارتي لها عام 1917 وقد قامت أمي بتحبير الرسالة التي كتبتها أصلا بالقلم الرصاص، حتى إن بعض الكلمات التي أخطأت في قراتها (عند التحبير) لم أستطع فك طلاسمها الآن، وقد قمت بالنقل عن هذه المادة التي نجت من الضياع في هذا الكتاب، مع مراعاة عدم الاكتفاء بذكر الحقائق المجردة التي ربما كان معظمها معروفا الآن، وإنما حاولت إضفاء بعض الحيوية عليها بتسجيل مشاعري - في ذلك الوقت - مع ذكر بعض الحكايات التفصيلية، التي برغم تفاهتها، تصور الجو الذي عشناه في تلك الأيام، وهو أصعب ما يمكن استرجاعه من الذاكرة بعد مرور الزمن، ولم أقم بالتصويب، ولكني قمت بحذف الكثير، خاصة ما اتصل بملاحظاتي الشخصية التي قصدت بها الاستهلاك المحلي، وجاء احتفاظى ببعض الأخطاء التي تعود إلى العامية التي يفضلها الشباب، والعبارات السوقية التي تجاوز حدود أداب الحديث، لطرافتها. ولكونها تضفي على الأسلوب مسحة القدم التي تغطي بعض المساحات التي يشغلها

الأسلوب العصري.

ولا ريب أن ضياع المكتبة التي كونتها بيط، وبالتدريج، وضمنتها كل ما كان يهمني من الكتب، كان عقبة كبيرة واجهتني عند الكتابة، وإن كان فقد المكتبة أقل أهمية من فقد الوثائق المهمة، وإذا كنت قد استعضت عن ذلك بالاستعانة بمكتبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت