فهرس الكتاب
لم يكن لدي «الثواب و فكرة واضحة عن خطتنا، خاصة أننا ركزنا على دعم وضع جاربت وإبراز مكانته، ولم يبذل أي جهد لإتاحة الفرصة لنا لرؤية العتبات المقدسة ولو من بعيد. ولم يتم ذلك قبل زيارتنا للبلدية، عندما طلبت أن أرقب المزارات من فوق منزل مرتفع، فاختير بيت بازدي لهذا الغرض، وبرغم صعوبة ارتفاع الدرج إلى سطح المنزل، فإن منظر القبة والمأذن الذهبية وبرج الساعة الذهبي، وفناء المسجد المغطى بالخزف البديع حتى إن حوائطه تبدو كالحدائق، تضفي على المشهد جمالا وجلالا أخانا.
وقد حيانا الناس على طول الطريق بصداقة ومودة لا حدود لها، تحمل وجوههم تعبيرا ينم عن نوع من التحفظ، إذا صح ذلك الانطباع.
عدنا حوالي السابعة مساء، حيث استقبلنا الأعيان الذين بدت عليهم سمات التهذيب والمودة، مع قليل من الغلظة، وهم أقل ذكاء من أعيان الكاظمية، وقد استنتجت من الأحاديث التي دارت أن ثورة الشريف حسين تلقى ترحيبا عند الشيعة باعتبارها معادية للترك، وتتجه إلى إحباء مجد العرب. وكان حديثي أساسا مع الكليدار (حامل مفاتيح المسجد) وهو رجل ضخم البدن.
و اتضح أن مضيفنا كمونة شخص مكروه في كربلاء، ولذلك لن يحضر لزيارتنا في بيته اثنان من أكبر مجتهدى الشيعة.
تمشيت في الحديقة، وتناولت عشاء من الشيكولاته والبطيخ، وأويت إلى الفراش منهكا في التاسعة والنصف.
19 مايو 1917 - استيقظت في السادسة، وقمت بعد الإفطار بجولة من الزيارات، وكانت الزيارة الأولى إلى حسين مازندراني وهو أهم المجتهدين بكربلاء. وهو رجل مسن، جذاب المسلك، يجلس في مكتبة صغيرة مثبتة على عقود داخل الحوائط، وهي سمة غالبة نجدها دائما في بيوت العلماء، ويقدم حسين مازندراني نمونجا نادرا لجيل انقرض من الحكماء، وهو يستخدم العربية والفارسية والهندوستانية بنفس الدرجة من الإتقان مع زواره وفي بيته، وهو - للأسف - مستعد الفتح باب الجدل حول المقارنة بين أفلاطون وأرسطو، وعندما لاحظ اهتمامي بكتبه