أخذ مايار يسأل بعدما وقف على تلك المعلومات الإيجابية: لماذا ارتفعت نسبة الانتحار بين أولئك الأسرى إلى نحو 38%؟ لماذا اعترف نصف الذين فضوا أنهم - ببساطة شديدة - استسلموا؛ فقرر أن السبب هو اليأس الذي ملا جوانحهم وسيطر على مختلف مناحي حياتهم، نتيجة لما تعرضوا له من أسوأ الإساءات النفسية التي قد تصيب الإنسان، فتحطمت روحهم. وفقدوا أي طعم للحياة، بل إن هذا المفهوم لازم حتى أولئك الذين أنقذوا فيما بعد. كان هدف الكوريين الشماليين هو حرمان الأسرى الدعم العاطفي الذي يأتي دائما من طريق التواصل بين الناس، ولهذا عمدوا إلى عزل أولئك الرجال عزلا تاما، وحرموهم الدعم الإيجابي وحق النقد، ومنعوا عنهم رسائل أحبائهم التي تصلهم من وطنهم. وهكذا تمكنوا من تدميرهم تماما من الداخل، فافتقر الأسرى إلى أي حافز للحياة، وخسروا ثقتهم بأنفسهم وبأحبائهم، بل تسلل اليأس إليهم حتي نے ثقتهم بربهم ووطنهم. وخلاصة القول: لقد نجح الكوريون الشماليون في إحكام عزلة نفسية وعاطفية على أولئك الجنود، لم يسبق لها مثيل.
لا شك أن هذا النوع من غسيل المخ، والتحكم في العقل وتغيير السلوك، هو أمر مرعب حلها، وربما يتعرض كثير منا في وقت ما من الحياة لتجربة كهذه - نوعا ما- عند تعامله مع النرجسيين والمضطربين عقليا، وحينئذ قد الانعلم ما الذي أصابنا حتى يتسلل إلينا البأس فيدمرنا، ومع هذا فثمة خبر سار: فما إن نعرف ماهية تلك التقنيات التي استخدمت للتلاعب بنا، حتى يمكننا فعل شيء حيالها، فتبطل مفعول تلك القوة المدمرة التي استهدفت أنفسنا وعقولنا وأرواحنا.