الصفحة 276 من 450

بريطانيا، وليس من قبيل المصادفة، أن بدأت العزلة الشهيرة البريطانيا عام 1904 تصل إلى نهايتها. وفي عام 1904، قامت فرنسا وبريطانيا بنسوية خلافاتها الاستعمارية القديمة (حيث وصلا إلى حد القتال في فاشودا Fashoda في عام 1898(1) ، وبعد ثلاث سنوات اخرى استطاعت فرنسا أن تحدث تسوية بين المتنافستين الرئيسيتين التقليديتين بريطانيا وروسيا. وبعد سبعة عشر عاما من عزل بسمارك مات تحالفه للسلام واكتمل تطويق ألمانيا بالكامل

لماذا؟ لأن توازن القوى، الأيدي الخفية للسياسات الأوربية، أصبحت في النهاية تمارس نفوذها، وبجرد ان جاء إلى الوجود، هز الرابخ الجديد توازن القوى من أساسه، وفهم بسمارك هذا بشكل أفضل من السياسيين الدوليين Weltpolitikers الذين جاءوا بعده. وكان الهدف من مناوراته المعقدة و المزدوجة ليس شل حركة أكثر أعداء بلاده احتمالا فقط بل أيضا احترام ألمانيا نفسها، بيد أن الاحتواء الذاتي لم يكن لعبة الأحداث المتلاحقة epigones. فلم يروا إلا ألمانيا تتخطى بقية دول أوربا بسرعة بأية وسيلة من وسائل القوة المادية ولذلك فكروا في أن ألمانيا تستحق في النهاية مكانا تحت الشمس: ليس فقط متعدا دائما في مائدة القوى الكبرى بل أيضا نصيب أكبر من الغنائم، غير انها كلما طالبت أكثر حشدت مزيدا من المقاومة

ومن ثم حدث الإغراء، ففي أوائل عام 1871، بدا رئيس الأركان البروسي هيلموت فون مولتلك يخطط لحرب من جبهتين ضد فرنسا وروسيا، وفي البداية هاجم روسيا وفي أواخر عام 1887، في نهاية مهمته أقدم على حرب وقائية ضد روسيا، ورفض بسمارك الفكرة بملاحظة ساخرة أنه لم يكن يرغب في ارتكاب"انتحار خوفا من الموت."وعندما تولى ألفرد كونت شليفين رئاسة الأركان عام 1891، اقترح عكس التسلسل وضرب فرنسا أولا، وقد كان هذا الهجوم ذي

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فاشودا مدينة في الجزء الجنوب الشرقي من السودان تقع على النهر الأبيض، وبمستر المترجم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت