الصفحة 100 من 178

العمق .. لقد تأثرت بكل ذلك العمر، بكل کياني، حتى عشت أياما فوق

عمرى .. وقد يمتد بي الزمان، أو بقصر، لكني لم أعش سوى تلك الأيام .. ولم يكن سهلا أن يعيش المرء بعد الحرب".. هكذا قال أبي، وكثيرا ما كان يقطع حديثه، فجأة، ليخرج لفافة قديمة تحمل بقايا شظيات متفرقة وقطعة ضئيلة من بقايا عظام مهشمة، ويحكي كيف استطاع أطباء"دار الشفاء أن يستخرجوها من مرفق الساعد الأيسر .. ذلك الساعد الذي تشوهت ملامحه، لكنه ظل يتحرك .. لا بأس، بيد أنه ظل يكره القمصان طويلة الأكمام، وأورثني تلك الحساسية حتى الآن .. حتى ظللت أحمل ساعدا مصابا بغير حرب .. ظل الرجل، من حين لآخر، يتحسس شظية وحيدة متبقية وراء ألياف الكتف الأيسر .. غائرة لكن محسوسة بضغط الأنامل .."انظر، ان تراها .. فقط .. بالضغط الخفيف تجدها .. لا تتكئ كثيرا؛ فهي موجعة .. هكذا، برفق"، تحدثنا عمرة بأكمله، وكان ذات يوم استرسل حانقة؛ لأني أسلك مستقبلا لا يراه سديدا .. وكانت المرة الأخيرة التي تكلمنا فيها، وافترقنا غاضبين، ثم كان الرحيل .. ثم مضت ثلاث سنوات .. وأغلق دفتر الوقائع الماضية، وبقى التذكار غصة غائرة .. .انظر، هي ذي أيضأ آلام موجعة ... لا تتكئ كثيرا .. فمجرد انتباهة ضئيلة تكفي لإيقاظ الألم .. ثم إنك رحلت - سيدي - وما عاد يؤلمك شيء، وكل الحكايات انتهت .. وتناثرت آثار الشظايا وراء السنين .. تحدثت طويلا، ولم أصغ إليك، فلما انتبهت، كنت قد ذهبت .. كذا تمضي الحرب بالسنين، وتكتب مدونات الوقائع على هامش ساحات الصراع .. كنت تريد أن نكتب معا، مدونة تلك الأيام .. وأمليت على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت