الصفحة 12 من 178

البشر، ومن رحم الجبال والأنهار تولد الطبيعة، وبين الملوك والدهماء يكتب التاريخ الصيني صحائف بقائه ملء الزمان. وكانت مخططات الفكر الكونفوشي تنتظم ثنائية طرق وأساليب التعامل بين الآباء والأبناء والإخوة الكبار والصغار، والرجال والنساء، والحكام والمحكومين .. إلخ.

بين الحرب والسلام قامت التسويات، وبين كل ألوان الصراعات قامت حدود وسطي للتسوية، بل إنك تستطيع القول بأن التسوية هي جوهر الفكر الصيني كله، وليس غريبا أن يزعم دارسو الفلسفة بأن السمة الغالبة على الثقافة الصينية طوال عهودها هي"الوسطية"؛ فتاريخ الصين عبارة عن حركة جدل بين متناقضات متقابلة تنتج دائما تسويات مؤقتة لا تلبث أن تسلم قيادها إلى طرفي صراع جديد .. كان ذلك حال الفكر في الصين حتى قبل أن تفد إليها المادية الجدلية في العصر الحديث.

"الوسطية"إذن، هي طبيعة الفكر الصيني، و"التسوية"بين طرفي نقيض أو أطراف متنازعة هي جوهر التاريخ الاجتماعي والفكر الفلسفي في الصين (هذا إذا تجاوزنا عما يثار أحيانا من مفكرين ومحللين هنا وهناك من أنه لم يكن لدى الصين، يوما، فلسفة على أي نحوا) ، تاريخ الصين هو حكاية التسويات النزاعات متواصلة، فالصراعات، في حقيقة الأمر، مجرد آراء متضارية بين أبناء بيت واحد، والبنية الفكرية (أو البيت الذهنية) للصين - على حد تعبير صحيح وواع للمترجم القدير الأستاذ شوقي جلال - اعتادت المواعمة بين أطرافه المتصارعة بتسويات متجددة، حتى لقد يحار المرء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت