الصفحة 14 من 178

متسائلا عما يسبق الأخر، في أحوال تاريخ الفكر في الصين .. هل هو النزاع أم التسوية؟

خرج الفكر الفلسفي الصيني من قلب الصراعات وعرف كيف يتعامل معها وكيف يحترم شئون البشر بكل ما فيها من تناقضات، فتاريخ الفكر في الصين غارق حتى أننيه وسط حشود البشر .. يعيش بينهم ويكتب سجل الحياة بأيديهم، ويصوغ مقولاته فلاسفة لا يعلم أحد أين عاشوا، بالضبط، ولا متى وكيف ولدوا وماتوا .. والفلسفة الصينية على عكس مثيلتها في اليونان، لم تتعال على الناس ولا سخرت من الدهماء، ولا اعتبرت الفكر ترفأ للسادة المهذبين أو حكرأ عليهم وحدهم دون العبيد، ولا وضعت فوق البشر مثالا أرفع وأكمل، ولا سبحت في غياهب ما وراء الطبيعة.

قامت الفلسفة الصينية على أساس الصيغة الوسطى، والتسوية بين أطراف المتناقضات، والاعتداد بشئون البشر وسياسة أحوالهم .. في"السياسة"، بمعنى تدبر أمر ما ينشأ بين الناس والمجتمعات والدويلات من نزاع أو تعارض والالتفات إلى ما يتصل بمعاشهم وعلاقاتهم الاجتماعية من مصالح وتعيين الحدود"الوسطي"العادلة فيما يتوجب عليهم من قواعد معاملات - كل ذلك، يمثل العنصر الأساس في الفكر الصيني. ولطالما انشغلت الفلسفة الصينية بما هو قائم في هذه الدنيا دون أن تتطلع إلى ما هو أبعد من حدود المجتمع الإنساني، وإذا كان صحيحا أن حدود اهتمامها بالإنسان لم تتطابق كثيرا مع الشروط الواجبة لمراعاة حقوق أفراده - من منظور الفلسفة الأوروبية. فقد كانت النزعات الفردية وجموح الجماعات القليلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت