الخارجة عن نمط الثقافة السائد والأعراف الاجتماعية تؤدي دائما إلى الفوضى، وتبدد قيمة الحياة في مجتمع لم يعرف لبقائه قيمة إلا في حياته، فلم يكن لدى الصينيين مثال أفلاطوني خارج وجوده، متعال عليه، ولا جوهر أرسطية (شبيه بالمثال في تعاليه) يتجاوز قيمته وتمثيله لحقائق حدود المجتمع الإنساني، وإنما كانت الصين ترى في الناس وحياتهم ومجتمعهم الكبير أكبر قيمة وأهم وجود، بالدرجة التي يتضاعل معها أي وجود آخر غيره .. من ثم لا نستغرب ما يبدية الصينيون من استنكار عندما توصف سياسة بلادهم بأنها تنتهك حقوق الإنسان؛ فالتجربة التاريخية والحضارية استوجبت تنوعا في رؤيتها لقيمة الوجود الإنساني، ولا يبدو غريبة لدارس الثقافة الصينية أن يرى ثمة فرق بين من يعد مثال الفرد الأقرب للمثال/ الحقيقة هو النموذج المكتمل لمعنى الإنسانية مقابل تصور آخر يرى في الحشد الاجتماعي أو الكتلة الحضارية الهائلة المتحركة عبر التاريخ مشهد حقيقة كاملة.
كثيرا ما كانت الحقائق، في الصين، تسكن وسط حشود البشر، الذين لم يحدث قط أن جاءهم مبشر بمثال ولا بعالم وراء هذه الدنيا (ولا كانت الدنيا دنيئة بهذا اللفظ!) بل إن كونفوشيوس نفسه كثيرا ما كان يقرر لمستمعيه أنه لم يأت بقواعد أو تصورات أو أنماط أخلاقيات من عنده، بل هو مجرد ناقل للتراث، ولطالما أكد على ذلك المعنى في تحقيقاته للكتب القديمة، وقصارى ما كان يمكن أن ينسبه لنفسه هو أنه مجدد لقيم المجتمع القديم
غريب حقا أمر أولئك الذين يشايعون تصورات لحقوق الإنسان
سے 8