الصفحة 36 من 90

نيما اذا كان من الضروري توسيع مدى النفسي الى ما وراء حدود الشعوري، ضربا من السفسطة والمماحكة لا طائل فبه، لكن بوسعي آن اؤكد لكم أن الاعتراف بالسيرورات النفسية اللاشعورية يدشن اتجاها جديدا وفاصلا في العلم.

لا أخالكم ايضا تحزرون الصلة الوثيقة القائمة بين هذه الخطوة الجريئة الأولى التي خطاها التحليل النفسي وبين الخطوة التالية التي سأعرض لها الان. فالأطروحة الثانية التي يتقدم بها التحليل النفسي على انها اكتشاف من اكتشافاته تؤكد ما يلي: أن الحفزات التي يمكن وصفها بأنها محض جنسية، بالمعنى الضيق او الواسع للكلمة، تلعب، بصفتها عللا محددة للامراض العصبية والنفسية دورا فائق الاهمية، لم يقدر حتى يومنا هذا حق قدره. ب ل اكثر من ذلك: فالتحليل النفسي يؤكد أن هذه الميول الجنسية عينها تسهم بقسط لا يستهان به في ابداعات العقل البشري في ميادين الثقافة والفن والحياة الاجتماعية.

وبحسب خبرتي، فان النفور الذي تثيره هذه النتيجة التي ينتهي اليها التحليل النفسي هو اهم سبب للمقاومات التي يصطدم بها. فهل لكم رغبة في معرفة كيف نفسر هذه الواقعة اننا نعتقد أن الثقافة قد ابدعت تحت ضغط الضرورات الحيوية وعلى حساب تلبية الغرائز، وانها يعاد خلقها دوما من جديد على المنوال نفسه إلى حد بعيد، إذ يقوم كل فرد جديد يرى النور في المجتمع البشري بتكرار التضحية بغرائزه لصالح المجموع. وتحتل الميول الجنسية، بين جملة القوى الغريزية المكبوح جماحها على هذا النحو، مكانة بارزة؛ فهي تعلى وتصعد، اي انها تحول عن هدفها الجنسي وتوجه نحو اهداف اجتماعية اعلى لا تتصف بأية صفة جنسية. غير أن هذا التنظيم ليس بالمكين؛ فالغرائز الجنسية يعسر ترويضها، وكل فرد يسهم في البناء الثقافي يكون عرضة لان تتمرد غرائزه الجنسية على هذا الكبت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت